ثقافة شعبية

كاظم الرويعي.. عشق أخضر.. وقلائد نجوم للمحبين

قاسم العكيلي

إلچ بگليبي بيدر شوگ…
وجروح او عتب وايمان
إحبچ من گلب والسان
أحب ارياضچ الخضره احب الغيد والخلان
أو لو هب هوه(ربيانه) يروي كل جيد عطشان
ايكحل كل جفن نعسان
أو من يتمايل الريحان..
من خمر العشگ نشوان
وجاءت لكاظم الرويعي الفرصة عند ذهابه الى العاصمة بغداد في أن يكون بمستوى الطموح الذي كان يطمح اليه، التغيير الجذري على القصيدة الكلاسيكية بالتجديد والحداثة الشعرية في مرحلة الستينيات من القرن الماضي، نتيجة الوعي الثقافي والسياسي لدى الإنسان العراقي أخذ الشاعر الشعبي العراقي يكتب برؤية جديدة استلهاماً لروح العصر الذي يعيشه، وما المواكبة للتطور المتدفق للشعر الشعبي إلا دليل على حيوية ونزعة تجديد.حيث استطاع تطوير المنحى الغنائي بمفردات غنائية مكثفة وطليقة وجريئة في نفس الوقت مما جعله يجمع بين الرمز والموضوع ويجسدهما بصورة شعرية رائعة وهادفة في نفس الوقت، هذا ما نلاحظه في كتابته هذه والمحملة بغنائيته لرفاقه واصدقائه الشعراء والفنانين  مجسداً فيها غربتهم التي امتد فيها حس الإضطهاد والتشرد. فأخذ يصرخ بوجه الطغاة وفي سطور هذه الغنائية التي رفضت من قبل لجنة فحص النصوص في دار إذاعة وتلفزيون النظام المباد اكثر من مرة…:
وشَّلنه كل ادموعنه
ودمعة الوصل.. دمهه الهجر
والعشگ حدر اضلوعنه
امخضر على مد العمر
أو لو طفت كل اشموعنه مرة
من يا كتر نشري صبر
ودّونه ابشارة فرح وي طيفكم
ما تنتهي شبگة جرحنه السيفكم
ردّوا الجواب اويه اليسافر لينه
إلكم حنين الطير للعش بينه
يحبايبنه البعيدين
والكل يعرف أن الرويعي من الذين وهبوا العمر من أجل الأغنية الهادفة.. بدأ كتابة الأغنية في الستينيات واصبح له رصيد غنائي يقارب اكثر من اربعمائة أغنية منها.. (على شط الفرات.. صير اشموع ..گلايد.. عادوا الغياب.. ضوه خدك.. ليلة ويوم.. سلامات.. ايگولون.. تواعدنه) واغنيته الشهيرة والرائعة التي ما زالت تعيش في قلوب وأحاسيس الناس رغم التعتيم عليها التي تعبر بروعتها بصدقها ورونقها أنها طائر جميل يكره الأقفاص، يعشق التنقل بين الخمائل فوق الأجواء ليبارك سواعد العمال ومطارقهم ومناجل الفلاحين الذين يبنون العراق الجديد التي  الفنان والمناضل فؤاد سالم الذي قارع الدكتاتورية البغيضة بأغانيه الوطنية الرائعة، وهو في منفاه بعيداً عن الوطن الحبيب:
فرحة الطير اليرد لعشوشه عصاري يا عشگنه
ومن صوابيط العنب ونحوشه عصاري
وگاعنه فضة وذهب واحنه شذرهه
وشحلاة العمر لو ضاع بعمره
يا عشگنه… يا عشگنه
والقائمة تطول بالأغاني الجميلة ناهيك عن كتابته الأوبريت الغنائي، فهو أول من كتب الأوبريت التلفزيوني، فكانت له (لوحة الأرض) ملحمة تتحدث عن نضال فلاحينا وعمالنا والتصاقهم بترابهم ونضالهم ضد عهود التسلط والرجعية الى أن شع فجر ثورة 14 تموز الوطنية، وله كذلك ثلاث لوحات اذاعية تتغنى بحب الناس لثورة تموز وهذه الأوبريتات هي شع النهار- العيد الجديد- شوگ الديرة سجلت في حينها.
إن الكثير من العثرات وضعت في طريق الشاعر الرويعي وأمثاله لمنعهم من مواصلة العطاء بدافع الحسد والمنافسة غير المشروعة من الذين تسللوا بشتى الوسائل الى عرش الأغنية العراقية رغم انتقاد الصحافة والوسط الفني عموماً لاستمرارهم في تشويه معالم الاغنية بالسذاجة والذوق المتخلف والزعيق المقزز فأخذ يتأثر لذبول الورد ويحزنه دجى الليل القاتم حتى أخذ يكتب:
ما هي ذيچ الناس ناسي…
أو لا هو ذاك الكاس… كاسي
كلشي مغشوش ابسلفنه
المرحبه.. او طعم الوفه… أو محضر الخير
كلشي مغشوش ابسلفنه
يا زغير اصعد على إچتاف الچبير
أنه أحس الغربة تسري بظفري او توصل الراسي
فبعد أن فقد الكثير من المثقفين والشعراء التقدميين الحاسة التي تشعرنا بطعم الحرية هجس الشاعر الرويعي بأن الدماء والخراب والحصار والاضطهاد والرقيب الذي كان يرافقنا طيلة 35 عاماً تحت ظل أقسى الانظمة الدكتاتورية في العالم على من يكتب  قصة ورواية وقصيدة واغنية وما يرسم وينحت، حتى غيب الكثير من المفكرين والأدباء أمثال المناضل صفاء الحافظ والمفكر عزيز السيد جاسم والروائي حسن مطلگ والصحفي ضرغام هاشم وغيرهم الكثير الكثير، فلم يبق أمام الرويعي سوى اللجوء التراجيدي للمنافي ليتبع زملاءه من قبله امثال الشعراء: سعد الشريفي وزهير الدجيلي ورياض النعماني وكريم عبد دحام واسماعيل محمد اسماعيل وكريم القزويني والقائمة تطول.. حتى انتهى به الأمر أن يهجر المدحتية والوطن نهائياً ليستقر في عمان رغم كل هذا ولم يعش بتوهيمات فارغة، فكان ملتصقاً كل الإلتصاق بهذه الأرض، تربة هذا الوطن الذي عاش فيه معبراً عن حبه والتضحية من أجله لن ينسى الفرات ودجلة والعراق رغم وحشة الغربة القاتلة وجرحه الذي لا يندمل فأخذت قصائده تفيض بالعذوبة والعفوية والصدق: وحگ ماي الفرات الما يرده السد
وحگ كل شمع يضوي.. أو كل غصن ورد
وحگ حسن العراق الحومر ابكل خد
لو ينطوني كل دنيه لبشر… بآمالها او بالمال
لو ينطوني كل كاع البشر بسهولها أو بجبال
ما أنطي نفس من تربة ابلادي
ولا بيعن شبر من تربة ابلادي
هذه هي شيمة كل عراقي وطني شريف.. لن يبيع من تربة هذا الوطن المقدس شـــــــبراً واحداً، هكذا كان الرويعي لم يساوم على عراقه، عراق المحبة والسلام لولا اضطهاد ومضايقات (الحزب الواحد) لم يغادر وغيره من شعرائنا الشرفاء ارض الوطن الطاهرة فقد بقي متمسكاً بمدينته وترابها وللأحبة كتب الشاعر:
أو سرح بيه الخيال… او لني وياكم
اشم تراب لولاية…
وأبوس رموش عيناكم
انا اوياكم
 رغم غيابه، لكنه حاضر بين الأحبة والرفاق والأصدقاء، إنه مكتف بالعاطفة انها حقيقية، لا يناجي شخصاً وهمياً او يحاور طيفاً بل كان متعبدا في محراب كبير هو الوطن، نعم هذا ما وجدته في الرويعي كل ما كتبته أنامله ليس خيالاً أو وهماً:
وصلتني الرسالة امن أمس
إو دزيت الجواب اويه أمس
گولوا: لليحب الشمس
دزوا اويه اليحب الشمس
بوسه لخد حبيبي
او بوسه لبلادي
قال عنه شاعر العرب الأكبر (محمد مهدي الجواهري): أشعر بغربتي حقاً حين أسمع اغنية (يم داركم) وخاصة في قول الشاعر: والتمت بروحي المحنة واشتهيت اخباركم. هذه الأغنية تجعلني في حزن وفرح، فقد أجاد الرويعي وليس هذا بجديد عليه.
ولد الشاعر كاظم ناصر حسين عام 1941 في محافظة بابل/ ناحية الحمزة الغربي مدينة (المدحــــــــــتية) وأكمل دراسته الإعدادية عام 1963 التحق بعدها بكلية الشريعة في بغداد وعمل بشتى الوظائف ثم وافاه لأجل غريباً في الأردن عام 2002 بــــــعيداً عن الوطن والأهل والأحبة تاركاً إرثاً شعرياً وافراً وله مجموعتان هي (البيرغ) الصادر عام 1968 و(الفجر وعيون أهلنه) عام 1975 واغان قاربت (480) أغنية. تغمده الله تعالى برحمته فقد كان بيرقاً مرفرفاً في ســــماء الشعر والنضال والوفاء للوطن.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان