مرت أحداث كثيرة منذ أن رأى العراقيون قطعة الكاشي الصغيرة التي كتب عليها بالتركية عام 1916 «خليل باشا جادة سي» ومعناها بالعربي «شارع خليل باشا» على جدار قاعدة منارة جامع السيد سلطان علي في بغداد، مرورا بلوحة حلت مكانها فيما بعد حملت اسم الشارع الجديد الذي أطلقه الانكليز على الشارع أيام الاحتلال البريطاني عام 1917 ، ثم تغيرت اللوحة مرة أخرى لتحمل اسم شارع الرشيد عام 1922 بقرار من مجلس العاصمة في حكومة الاستقلال فيما بعد، وظلت هذه اللوحة حتى الآن، لكن الشارع شهد طوال تسعين عاما أحداثا كثيرة، ومرت عليه أيام تداولها الناس على اختلاف أنواعهم واشكالهم واجناسهم وطوائفهم، مثلما تداولها الحكام المتعاقبون على هذه المدينة التي لم تهدأ يوما ما. واذا كان صخب الزمن يعلو ويتلاشى فان ذلك نسمعه دائما في المدن الكبيرة.. في الشوارع الحية النابضة بالحياة، تلك التي تصنع تاريخها بأحداثها. وشارع الرشيد قد يكون تاريخ بغداد الحديثة منذ مطلع القرن العشرين حتى الآن، لكنه تاريخ حافل بالحكايات، يكاد يكتمل به قرن من الزمن منذ أن شقه والي بغداد خليل باشا في صدر بغداد الرصافة المكتظ بالحارات والأزقة الضيقة والمعفرة دائما بالأتربة والمياه الآسنة في مطلع ذلك القرن، حينها لم يكن الناس في بغداد يجدون متنفسا غير شواطئ دجلة والضواحي التي تستغرق الرحلة اليها وقتا طويلا، لذلك حين شق شارع الرشيد أصبح بمثابة ممر لحياة جديدة.
وما أروع شارع يروي حكايات قرن من الزمن دون كلل أو ملل؟ تخّيل الأحوال حين تكون أبرز إصلاحات والي بغداد محل حلاقة ومقهى وخانا للسوق! غيّر البغداديون اسم خان جغالة إلى اسم «خان جغان» وضربوا به المثل حين كان أسطة عباس الطبيب الجراح وفرحة خاتون طبيبة عيون.
تولى جغالة زادة سنان ولاية بغداد سنة 1586 م وحكمها لمدة 3 سنوات، وهو من البوسنة واسمه «يوسف»، ابن قبطان، تربى في بلاط السلطان سليمان، قاد الجيش العثماني لمحاربة الفرس الذين كانوا يسيطرون على الجهات الشرقية من العراق، وحاربهم في جمجمال ونهاوند وسيطر على القلاع هناك وعاد منتصرا الى بغداد، وعمر فيها خانا واسواقا ومقهى. وقبل ذلك لم تكن في بغداد مقاه، واصبح ذلك المقهى الذي تحول فيما بعد الى «خان الكمرك» اول مقهى في بغداد. وكذلك محل الحلاقة، وكانت هذه ابرز اصلاحاته!
خان جغان وخصخصة المقهى
اما الخان فكان اسمه «خان جغالة زادة» لكن العامة لسهولة اللفظ حولوه الى اسم «خان جغان» ويقع بجانب المدرسة المستنصرية وهو يحتوي على عدة ابواب بحيث يدخله الناس من كل الجهات ومن جميع الفئات والطبقات، حتى ان العامة قالوا في امثالهم البغدادية: «الجنة مو خان جغان ياهو اليجي يدخلها!» اي ان دخول الجنة له شروط وضوابط دينية وايمانية وليس مثل «خان جغان» بمقدور اي واحد من هذا الحشر الذي يدخله من ابوابه العديدة دون شروط وضوابط بحيث نرى الزحام فيه شديدا طوال ساعات النهار. وقد ظل هذا الخان الى يومنا هذا، يدخله الرائح والغادي من جهة المستنصرية الى الشورجه او الى شارع النهر، بعد ان اصبح خانا لتجارة الجملة من الاقمشة وغيرها، وتم اصلاحه مرات عديدة واتخذ فيه التجار محلات ومكاتب لبيع اصناف البضائع. وظل محل الحلاقة والمقهى من المعالم البارزة لاصلاحات الوالي جغالة زادة باشا، حيث اصبح يرتاد محل الحلاقة علية القوم وموظفو السراي. وفي سنة 1673م في زمن الوالي السلحدار حسين باشا باع هذا الوالي المقهى ومحل الحلاقة الى رجل يدعى اسماعيل افندي بمبلغ 125 قرشا يا بلاش!، ولاندري لماذا باعهما الوالي بهذا المبلغ الزهيد؟ وهل كانا يعتبران من املاك الدولة (قطاع عام) وتمت خصخصتهما؟! ومن ذلك التاريخ انتشرت مهنة محلات الحلاقة في اسواق بغداد ومحلاتهاالشعبية مثل باب الشيخ وقنبر علي والفضل وفي جانب الكرخ ايضا. واصبح للحلاق دور اجتماعي وصحي، رغم ان شخصية الحلاق من الشخصيات التراثية في قصص الف ليلة وليلة وقصص التراث البغدادي.
مستشفيات الجادة
مازلنا نقف على باب المعظم مدخل الجادة العمومية باتجاه الباب الشرقي. نجول بانظارنا في المباني حوله هنا وهناك، نستذكر بعضا من تاريخها وحكاياتها. فهناك رأينا ايضا ما أطلق عليه العامة اسم «الكرنتينة» قرب ثكنة الخيالة محل الحجز الصحي لمكافحة الأمراض والأوبئة ثم الى جانبها مستشفى الغرباء التي تحدثنا عنها والتي تحولت الى مستشفى المجانين واشهر مافيها فيما بعد ايام الاحتلال البريطاني والحكم الملكي ، الطبيب جاك عبود الذي اقترن اسمه بمجانين بغداد ,فحين يذكر ان الشخص عند جاك عبود ايام الاربعينات والخمسينات فهذا يعني انه دخل مستشفى المجانين من اوسع ابوابها وبات في ايد امينة ! وترددت انذاك اشاعة ان طبيب المجانين دخل المستشفى في كمال العقل وخرج منها في تمام الجنون! وهنا يمكننا القول ان منطقة باب المعظم هي منطقة المستشفيات على قلتها في ذاك الزمان. وفي العهد الملكي تم بناء مستشفى لهم في الشماعية خارج بغداد، ولمجرد سماع كلمة (الشماعية) او فلان قادم من الشماعية فهذا يعني انه قادم من عالم المجانين. وحين يقال ان فلان شماعية فهذا يعني، في امثال البغداديين، ان عصافير عقله طارت ولم يبق لديه واحد منها.
لا يصلح العطار ما أفسد الدهر
لكن الجادة العمومية ومحلات بغداد ومقاهيها وازقتها كانت تزخر بالمتطببين والمتطببات من عطارين ومعالجين شعبيين وحلاقين يمتهنون جميع التخصصات الطبية، فمعظم العلاج لدى العامة هو الطب الشعبي ، ومما يصفه العطارون من وصفات طبية من الاعشاب لهم. وكان المرض والعلاج يتوقف على الله ثم على العطارين. فالاسواق المترابطة بين جانبي الجادة تزخر بالعطارين وكل واحد يدعي الخبرة اكثر من غيره، فمثلا تدخل «الشورجة» وتنحرف الى سوق المعاضد توجد في نهايته دربونة فيها مسجد صغير للصلاة، من هذا المسجد الى الداخل يبدأ سوق العطارين او كما يسميه البغداديون (سوق العطاطير) حيث يجد فيه المرء جميع انواع العطارة. وحسب مايروي ـ عبد الحميد العلوجي ـ فان العطارين كانوا يعاضدون اولئك المتطببين بما يقدمونه لمرضاهم من اعشاب وبذور ومعاجين، وكان اغلبهم يصف المواد العطارية للحمى والامراض الباطنية مثل: اوكسيد الحديد، والتوتيا، والكحل لامراض العيون، وكانوا يحكون العيون بقطعة من الترياق، وكان اشهر هولاء العطارين في محلات الجادة، حيث كانوا يقومون مقام الصيادلة في الوقت الحاضر منهم: الحاج كاظم في سوق الدجاج، وراضي العطار في محلة العوينة، وسيد جمعة خطيب وامام مسجد الست نفيسة وغيرهم. وكان الطب الشعبي يعتمد على مايستورده هؤلاء العطارون، فقد كانوا يستوردون الاعشاب والمعاجين والمساحيق من سوريا والهند وايران ومصر وبعض بلدان اوروبا واسطنبول، فكانوا يستوردون اللوز الحلو والمر ودهن الخروع والحنظل والكزبرة والكمون وبذر الريحان. ومن شمال العراق كان ياتيهم العفص والصمغ والعسل والكبريت، ومن اوروبا ياتيهم الكحل وسم الفار والقرمز وملح الطرطير، ومن الهند ياتيهم اللبان والكافور والهيل والدارصيني والقرنفل، ومن سوريا ياتيهم السارون ومن مصر: الخولنجان والصقمونيا، ومن ايران الخشخاش والمسك والزعفران ومن اسطنبول المصطكي. ولفوضى العلاج وانعدام النظافة والعناية الطبية، كان الوباء اذا دخل بغداد لا يخرج منها مالم ياخذ نصف اهلها معه الى القبور اذا لم يكن اغلبهم. وفي هذه الحال لاينفع العطار ماافسد الدهر.
الجراح أسطه عباس
وكما يقول ـ المؤرخ عبد الكريم العلاف ـ عن الاطباء في الجادة العمومية آنذاك بانهم كانوا قليلي العدد، وهم: مظفر بك ونظام الدين وادلر النمساوي وارسطو وبانقو. وجنسياتهم تتراوح بين تركي وبريطاني ونمساوي والماني جاؤوا مع الجيش واختلطوا بالعامة وبعضهم يعمل في القنصليات الاجنبية، انذاك لهذا يمكن اعتبارهم اطباء ملحقين بجهات اخرى. والاخير الدختور بانقو حينما كان يذهب للكشف على مريض يمتطي بغلة شهباء. وبعد صدور الدستور العثماني عام 1908 م جاء الى بغداد عدد من الاطباء العسكريين والمدنيين واشهرهم الطبيب (بلال بك) وهذا كان طبيبا بارعا وعلى جانب عظيم من الخلق فضلا عن زهده وتقواه ـ كما يقول العلاف ـ ولم يكن يوجد في بغداد طبيب جراح. لهذا حين يمرض اي انسان وعلاجه يحتاج الى جراحة عاجلة فانه يموت حتما لعدم وجود طبيب جراح، وان وجد من بين هؤلاء الاطباء القلائل من يقوم بالعملية الجراحية فانه يقوم بها مضطرا لانها ليست من اختصاصه. ولكن كان هناك في بغداد بالجادة العمومية جراح اهلي يدعى(اسطه عباس) اكتسب الجراحة بالخبرة واكتسب الشهرة ايضا، والله اعلم ماذا كانت مهنة هذا (الاسطه) من قبل ان يمتهن الجراحة؟ ربما كان نجارا او حدادا، ولا ندري كيف كان الاسطه عباس يجري عملياته الجراحية وباية ادوات؟ وكم واحد انتقل الى رحمة الله بين يديه، فالناس في ذلك الزمن يقبلون على الشيء او الشخص حالما تنتشر عنه حكايات قد يكون بعضها ملفقا.
حلاق بغداد
كان عامة الناس يعتمدون على الحلاقين في مداواة اسنانهم، وغالبا مايلجا الحلاق لقلع السن بـ (الكلابتين) حتى لو كانت السن لاتستحق القلع. ومن طرائف مايروى في الجادة عن احد الحلاقين اراد قلع سن احد زبائنه، ولما كان قلع السن على الما شي في الشارع. فقد امسك الحلاق بسن زبونه الذي اراد قلعة بـ (الكلابتين) وهما كانا واقفين في الباب الشرقي وتمكن اخيرا من قلع السن حين اصبحا في باب المعظم!! ويذكر ـ الاديب الباحث عبد الحميد العلوجي ـ بعضا من الحلاقين الذي اشتهروا انذاك بقلع الاسنان وبختان الاطفال وبمهنة الحجامة، فالحلاق الماهر عليه ان يتقن كل هذه المهارات الطبية ,ومن هؤلاء ممن كانوا في بغداد:
(الحلاق عبد العنوّن في محلة الجعيفر، وسيد عبود سيد علي في السوق الجديد، وعباس ابو كسار في العبخانة، والحلاق درويش في العوينة، والحلاق رشّودي في قنبر علي) وكان اغلب الحلاقن (ختّانين)، وكان بعضهم يشد الرحال ليختن الاطفال في المواسم خارج بغداد لقاء مبلغ زهيد. لكننا لاننسى تلك الدعابات المتداولة عن الحلاقين والتي نسمعها دائما في الجادة العمومية، ويكون الحلاق دائما فيها موضع التهكم، حين تكون حلاقة الراس لاتعجب الرائي فيقول لصاحبه:
ـ هذا منو اللّي زيّنك؟ طاح حظ الزيّنك!!
فرحة خاتون طبيبة العيون
من الصعب القول ان هناك يافطة في الجادة العمومية تشير الى وجود طبيب عيون، توجد بعض اليافطات التي تشير الى الطبيب النطاسي البارع عزت بك او بلال بك، وهناك يافطات لاسطوات خبراء في قلع وتركيب اسنان الذهب. وماعدا ذلك لايوجد شيء يدل على وجود طبيب لامراض العيون، ماعدا امراة يهودية اسمها فرحة خاتون اشتهرت بطب العيون. ولاندري كيف اكتسبت هذه المهنة وهذا الاختصاص، ولهذا كانت امراض العيون وبالاخص (التراخوما) منتشرة في بغداد، وحالات العمى بين العامة وبالاخص الاطفال في معدلات عالية، ويافرحة ماتمت!! وكما يقول ـ العلوجي ـ كان للبغداديين مواقف عجيبة من الاسباب المؤدية للاصابات المرضية. فهم كانوا يعتقدون وربما ليومنا هذا ان من يعد النجوم في الليل تظهر على جسمه ثآليل، وان من يلعب بالنار سوف يتبول كثيرا بالفراش، وان مضغ العلكة يقصر اللحية، وغير ذلك من المعتقدات، وقد تكون هذه المعتقدات من باب نهي الاخرين عن اداء اعمال ضارة وبالاخص الاطفال.
اهم الاخبار
ثقافة شعبية
قصة مدينة في شارع واحد شارع الرشيد بانوراما الحياة البغدادية
- 04 أبريل, 2017
- 89 مشاهدة









