ثقافة شعبية

الشاعر عماد المطاريحي.. قصائده مرآة صادقة تعكس جوهره

* كاظم جلاب نشمي

 

تبدأ متكونة في وجدانه كصرح كبير مارة بمراحل ولادة عسيرة، ومخاض مرير ومضنٍ.. فهو هناك.. هناك في جزر الامكنة البعيدة عن خرائط الاطالس والازمنة الاثيرية خارج تقاويم الزمن، يحاور روحه بلغة نقية صافية.. حوار الانسان مع ذاته حوارا صريحا واضح الدلالات، لذلك تاخذ القصيدة المتولدة درجة كبيرة من قدرة فائقة من تناغم عناصرها فيما بينها وامكانية هائلة من التعاشق والتآلف.

والمفردة كوحدة بناء صغير في صرحه الشعري فانه يموسقها مع التي تسبقها ويناغمها مع التي تلحقها، وهذه الموسقة اتية من مهارته في اصطياد اللفظ المتالف ايقاعا مع بقية الالفاظ في البناء التكويني للقصيدة باكملها.. فتظهر القصيدة بمفرداتها المنسجمة كانها حبات قلادة ذهبية يخترق قلبها نسغ يغذي تيار الافكار وبايقاع جميل الى نهاية القصيدة التي تمتلك بناء فكريا كاملا وتكوينا دراميا تاما.

وعماد المطاريحي، شاعر ملك قصائده سمة الديمومة والاستمرارية فهي لم تولد كقصيدة زمان محدد الاطر او مكان معين فجاءت مفتوحة الافق محلقة فوق كل المساحات.

وروحه الشاعرة كفراشة ملونة تطير من لون شعري لتحط على اخر، ومن وزن الى ثان.. روح سائحة تتنقل متجولة من غصن الى غصن.. كل الغصون لديها جميلة.. فمضامينها يمكنها ارتداء كل الاثواب والمعاطف.. كل الوان الشعر مهرة بيضاء مطيعة فهو ممسك بزمام عنانها يوجهها اينما شاء.

ان المتتبع لقصائده القاء تلمع في ذهنه ملاحظة، ان هذا الشاعر المبدع عندما يلقي قصيدة ما فانه يسكر الكلمات داخل فمه بحلاوة خاصة، قبل ان ينفثها عطرا يلامس اسماع متلقيه فتاتي منعشة مسكرة فتراه يلقي شعرا وكانه يعزف لحنا فيطرب سامعا.. يجمل الكلمات بحلة مزوقة فيستانس السامع متشوقا مشدودا الى اخر القصيدة.

وقصائده التي تبدأ بلمسة احساس تخطر في البال موقظة الروح اتية من ايحاءات ملائكية، فتبدو مضامينها ذات قيمة عالية وهو الذي لم يبدأ الا كبيرا.. بقصائد كبيرة.. فالشاب الاسمر، ذو النظارة السوداء، نراه مجتهدا من اجل تحقيق ذاته وتجاوز قدراته لامتلاكه حسا مرهفا وحدسا ثاقبا.

يسمعك القصيدة فتوصلك حد النشوة وهذا هو فعل الفن الذي يوازي فعل السحر تاثيرا.

في زمن ما احتار هذا الشاعر اين يكتب قصائده وباعة الاوراق كانوا تجارا؟.. فلم يحتار، ودون اشعاره في قلوب الناس.. واين كان سيلقي كلماته في زمن كان منظمو المهرجانات الكبيرة يحتاجون الى وساطات كبيرة وهو الذي لم يلقِ في حضرة الوالي.. فالقى في الشوارع المكتظة والباحات والاسواق واماكن الناس الفقراء الطيبين.. ونام جائعا قرب اهل التنانير.

قطف من كل بستان زهرة وتعددت موضوعات قصائده لكنها بقيت مرآة صافية صادقة عكست جوهره وهو الذي جعل الحب بمفهومه العميق الشامل دستورا ثابتا غير قابل للتعديل.. فالحب والشعر عنده لهما طعم الحياة.. دخلال روحه مع النسمة الاولى.. وقلبه الخافق في جسده النحيف ينبض حبا وشعرا.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان