ثقافة شعبية

كاظم غيلان… بيت الطفولة له حضوره

 

للمكان حضور فاعل في اغلب نصوص الشعراء، ومن النادر أن يكون هذا الوجود عاديا، او غير مؤثر على مجمل حراك القصيدة، سواء كان في البداية او الوسط او النهاية، او جاء بسبب الوزن والقافية أو التكنيك الفني . والمكان رمز من الرموز الحيوية، في تجارب الكثير من المبدعين، الذين شكل هذا الجمال الباذخ الخصوصية، سر ابداعهم العظيم، ولكل واحد منهم طريقته المختلفة عن الاخر الذي وظفها واقعيا، او اسطوريا او سرديا، او خياليا حسب اهميته وقدسيته وعلاقة الانسان به،وقدرته على جلبه الى عوالم المجاز والكناية والاستعارة والصورة، وشحنه بطاقة انسانية هائلة، اكراما لما له من وقع كبير، على العقل والضمير والروح والعواطف، ومن ثم استفزاز المخيلة، بالتذكر واعادة الاحداث وكتابتها بطريقة مثيرة، يتشابك في ساحاتها الزمان والمكان والنفوس والمباني والذكريات . 

مباهج

المكان بشقيه السلبي والايجابي، من ابرز المعالم الواضحة في شعر كاظم غيلان، لاسيما، البيت، المدرسة، الشارع، دور السينما، الجامع، الساحات، الجسور، البار، المشفى، السجن، محال بيع الخمور، المقهى، الهور، التنور، القبر،الموضع، المرقد، الضريح، العش، غرفة التحقيق الباردة، مركز الشرطة، خيمة لا تقي من البرد والمطر، السوق الذي تهدم في قذيفة . 

والحانة بشكل خاص تمثل الحياة، بكل ما فيها من مباهج وطراوة،ونعيم ومتع حسية، وهي بمثابة التعويض لكل الفقدان، والخسائر التي مر بها في رحلة حياته الموزعة، بين الغربة والعوز والضياع، والموت المتكرر على ارصفة الطرقات القاحلة . 

)ياسميري المالي من بعدك سمير / شلون ترضه امعذبة تبات الظنون / ويا اميري المالي من بعدك امير / تلالي وحدك قافية وكلك جنون / علگت قمصانهه الروح الحرير / وانت تمطر بس غنه وسحر وفنون / برجوازي الليل وانه اول فقير / يشتريك من العصر لن ما تخون (.

الخمر في هذه القصيدة، اصبح رمزا للخلاص والانعتاق والتحدي، وكلما جاء ذكر الكأس تأتي معه صفة المديح، لكونه عونا للشارب، في كل التجارب السيئة التي بددها، وصار ينظر اليه من قبل الندامى، نظرة الحب والامتنان والتقدير، لانه احتوى كل المواقف القاسية، وانطوى على كل شيء حسن، ولهذا يتحمس له الشاعر ويناديه باجمل التسميات. 

الصرخة الأولى 

يبقى بيت الطفولة الذي اطلقنا فيه الصرخة الاولى، عند مجيئنا الى الحياة، البيت الذي كنا نحبو على سجاده القديم، ونعرف رائحته من بين آلاف البيوت، هو الاثير عند النفس. هناك كبرت احلامنا التي لا يسعها الزمان، وتشكلت في زواياه اجمل الاخيلة الغريبة، واتسع حبنا الى الشعر والناس والفكر والصبايا والممنوع، المكان الذي سقانا العشق والوفاء والمحبة قطرة قطرة .

كنا اذا فرقناه ليلة واحدة، نعود اليه نبكي من شدة اللهفة والشوق والحنين، والاشتياق الى فراش نومنا البسيط، ودفتر الاشعار والصور والمكتبة الصغيرة، تغير الشكل الذي كان عليه، وما عاد البكاء كافيا على الاصدقاء، والخلان والمعارف والحبيبة القديمة، يرافق هذا الخليط العجيب من المشاعر المتضاربة، استذكار الاب الصارم، والحارس الذي كان يقلق المدينة الآمنة بالصفير. ورغم صغر بيوتنا التي كانت، تشبه غرفة الحبس وحفرة القبر، كانت توفر لنا الحماية، حين نتعب من الدوران في الشوارع الفقيرة، او عندما يتعقبنا لص او قاتل او رقيب، او كأنها كانت تهيئنا، منذ الصبا الى الرحيل الابدي .

(ابيوت يم بيوت مصطفه وفلح / سمره البيوت وتنده اباخر جرح / اهناك بالجديه عثر چدم الصبح / اهناك بالجديه الحزن يكتب بيان / اول اسطورة قصيدة / واخر اسطورة امتحان).

ذاكرة 

للبيت في ذاكرة الشاعر صور ذهنية متعددة، تتوزع ما بين الغموض والوضوح، والمرح والشجن والاضطهاد والتحرر والشكوى والقناعة والرفض والقبول، ومن تعاقب الفصول وما تخلف، من مطر وحرارة ورعود وصواعق واتربة، ندوب كثيرة لا تعد ولا تحصى، تترك آثارها في النفس والجدار والخزائن والاركان والدهاليز. والبيت مزيج غير متجانس، من النفي والاستقرار والخوف والامان، والواقع والاساطير والروائح العطرة والكريهة، والاصوات والالوان والرياح والاعاصير، والهدوء والسكون واللعب والاراجيح، والارواح الغائبة الموجودة . 

وهو في كل الاحوال عابر في واد سحيق، طالما فارق بيت الروح الحقيقي، وادمن السكن والنوم في غرف العزل والسجون والفنادق، وغيلان لا يفرق بين صدر الام الحنون، وحضن البيت الدافئ الحميم، الاول يمده بالحليب والعافية والقوة، والثاني بالوجود والبقاء والاستمرار والكتابة. 

(لملموني اتطشريت / ما اريد بيوت كل الدنيه / حضن امي ادفه بيت / بي دمعتي وبي ضحكتي / وبي خبزتي الحارة وطعم الحليب/ وبي صرختي الحارة ابوجه الطبيب).

وهناك الكثير من القصائد تدور حول هذا المعنى، كتبها الشاعر بقواف مختلفة، وايقاعات خارجة عن الطاعة، وبانساق افقية وعمودية ودائرية، وباشكال اقرب ما تكون الى النثر، لانها الاقرب الى مزاجية الشاعر، وذلك بعدم التزامه الصارم بالتقطيع والاوزان والقيود، انه يحب الحرية التي تتيح له الراحة، ويكره الضوابط التي تجلب المتاعب .

صور الأولياء 

بيوت اهلنا الحاضنة والطاردة في آن واحد، ذات النقوش المتكونة، بفعل الرطوبة والاهمال والخراب، المزينة بالسور القرآنية وصور الاولياء، والدراويش والعارفين ورسم واقعة الطف، ولوحة المسيح والعذراء، والنور المتسلل في داخل المغارة، ومناسبات العائلة في العيد والافراح، والفقد والرحيل وانواع مختلفة من الاحداث العاصفة، التي تزلزل الكيان المتماسك وتجعله ينهار. 

بيوتنا المسكونة بالاوهام والخرافة، والارواح الغريبة والاشباح الودودة الحانية علينا، بتقديم الملابس والهدايا والالعاب، والمخيفة حين تتضاعف، من كثرة الانفعال والتوجس والخوف والقسوة، بيوتنا سفر طويل لا ينتهي، من الحب والرغبة والحزن والفرح والكراهية، وعدم الاكتراث والبرود، والسأم والظلم والعدالة والقنوط والاضطراب.

(ياحليب امي الحبيب / گطرة منك تروي عمري/ وتغسل اشما بالگلب من الهموم / حوم ياطير العمر ع البيت حوم / طافي كل البيت / والباب انقفل للتالي ومغربة النجوم / ولالي حيل اعلى الجرالي / والله نگضني التعب ما بيه اگو).

بشاشة

تجربة الام في قصائد غيلان متصلة بالتضحية والفقد والوفاء والحنين، والافكار السامية كالعطاء، والتفاني من اجل العائلة، وتحمل الاحزان في سبيل سعادة الابناء، هي عنوان الصبر والبشاشة في ازمنة الضيق، والعوز والفاقة والشقاء والسوء والشر وانها تستحق ان تكون صورتها باسمة مشرقة، في كل الاماكن التي يزورها الشاعر . 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان