ثقافة شعبية

" الجنس والحلم " الكرستال المكسور والمفردة الشعرية عند الشاعر أبي سرحان

قراءة : داود سلمان الشويلي

   

” لن تكون حياة الناس عادلة إلا إذا كانت طافحة بالجمال ” – رامبرانت-

” حلم واتراب ” المجموعة الشعرية الاولى للمرحوم الشاعر العامي ابو سرحان ، و تضم مجموعة من القصائد العامية التي كتبها بين عامي 1962 – 1972 .

وقد تحدثت عن هذه المجموعة عام 1972 وقت صدورها في جريدة الراصد الاسبوعية التي كانت تصدر وقتذاك .

ان الحديث عن المجموعة يعني الحديث عن هذا الشاعرالذي كثيرا ما قرأنا له ، وسمعنا كلماته ملحنة من اقدر الملحنين ، ومغناة باصوات اجود المغنين العراقيين ، وبكلماته تلك ساهم الشاعر بتطور وتقدم وازدهار الاغنية العراقية ، و اعطاءها طاقة مضافة لكي تسمو الى الاعالي ، حتى اصبح جميع ما كتبه من قصائد عامية مميزة عن غيرها ، وذات طابع خاص به .

قلت ان الشاعر يختلف عن غيره من شعراء، او ناظمي الاغنية ،لانه لا يفهم الاغنية كما يفهما البعض ، بل انه يفهمها من حيث ما تشكل عنده حاجة حياتية ضرورية كالماء والهواء،ومثل كل الموجودات ((وتتأثر ايضا سلبا وايجابا تبعا لطبيعة المرحلة التاريخية )) . – جريدة الراصد / العدد 87 / من مقابلة له ,

 ومن هذا الفهم الواعي للاغنية،انطلق يكتب القصيدة العامية الغنائية ، لا النظم الغنائي :

* (( ابهيده اعله بختك لا تعت بيها 

يبنادم بهيده

روحي انحلت والشوك ماذيهه

يبنادم بهيده

ما جنهه ذيج الروح .. يبنادم

ولا جنهه كلهه اجروح … يبنادم

والشوك ماذيهه..

اشمالك تعت بيهه)) . – ابنادم –

والاغنية عنده ليست ترفا ، بل هي حاجة كما قلت ، وهذه الحاجة متأتية من تجربة الشاعر نفسه في الحياة ، لانها : ((  ممارسة فعلية و حقيقية وبكل وجدانية  الحرف العامي حينما يتحول الى سيف و رعب ، واحلام الفتى المراهق حينما يتحول مهر جامح اثارته ريح التجربة القاسية …  كان الشعر حقيقة عفوية لم اكن اعرف تلك الرؤية الخفية بين ما اختزنته النفس من شقاوة ومرح الطفولة البريء في متاهات الخوف والدهشة والاغتراب في الرجولة المبكرة )) . – المصدر السابق – 

وهكذا كانت قصائده دون استثناء ، المغناة وغيرها ، قصائد ثورية ، رافضة للسائد من افكار وعادات وقيم المجتمع الفاسدة،على الرغم من رومانسيتها التي تجعل المتلقي يؤولها حسبما يريد … فينتهي بعد قراءتها انها ” جنسية ” او ” عاطفية ” … الخ .

 والقصيدة التي يكتبها ليست زخرفة وتركيبا صوريا لغويا ،وانما هي الشروع في ثورة بمفهومها العام والخاص . و هي لافتة سياسية / اجتماعية ايضا لها فعل المناشير : 

* ((  وانه شما جلب بروحي ..

اشوفني انه بنادم ..

انه المامش خيال ايوالم خياله

انه الضحكت جروحه

بوجه جتاله

يا سر الدمع والدم

غريب انه .. غريب انه

وانشدك هلبت اتكلي

يا هو السوه ” جيفاره ” نبي

المكوار والفالة

غريب انه )) . – صلاة الدم –

والحديث عن القصيدة عند ابي سرحان يعني الحديث عن تجربته الشعرية ، هذه التجربة التي تمتزج فيها ” الانا ” مع ” النحن ” لانها تجربة ذات بعد شمولي لا تقف عند النظرة الشوفينية ،والتعصب العشائري والديني، بل انها تتحدى الحدود الحمراء المرسومة على  الخريطة ، وهذه نظرة يحملها الكثير من شعرائنا العاميين الشباب.

  قلت ان تجربته شمولية ، انها تجربة التمزق السياسي والاجتماعي على السواء الذي عاناه الشاعر ، او كما نعبر عنها بالخيبة السياسية / الاجتماعية ، الخيبة التي المت به وجعلت منه شاعرا يتحدث عن ذاته فعمقت رؤيته الاصيلة وتجربته الذاتية ، الا ان ذلك لم نكتشفه للوهلة الاولى عند قراءتنا لنصه الشعري ،لانه لا يدعنا نكتشفها بسهولة ويسر ، بل يدفعنا هذا او ذاك النص ان نطرح الاسئلة ونجيب عنها بأنفسنا ، هل هو شاعر عاطفي ؟ جنسي ؟ ام ماذا ؟ الا اننا في الاخير نعود لنجيب عن الاسئلة تلك بأنفسنا ، هكذا يلبس الشاعر ابو سرحان تجربته السياسية / الاجتماعية بتجربة ذاتية في نص شعري ،او شعري مغنى .

“الجنس” ،والعاطفة بتعبير اخر ، في جميع نصوصه الشعرية والمغناة ، هو حاجته الى شخص اخر يبحث عنه لاسبابه الشخصية :

* (( شتريد .. اكول ..

اشمطلبت

شتريد .. عين او روح 

لو رجفة ضمير الغالية بهليوم ..

يلما تمنت

شتريد .. كول ..

اشمطلبت

موتي .. حنيني ..

شوكي ..

بس كلي )) . – احجاية ضمير – 

———

* (( جلماته برد الصبح ..

رجف خلاخيلي 

يا دفو جمل دفو ..

يا كمر ضويلي 

ويا ذهب خيط الشمس طوكين

سويلي

لايكلي طوك الذهب والدغش ما اريده

وامشي واكول اوصلت .. والكنطره 

ابعيدة )) . – الكنطرة –

وعند الكلام عن الشاعر علينا الكلام على لغته ، اللهجة العامية التي استخدمها في قوله الشعري .

نتساءل عن الكيفية التي فهم فيها المفردة،وكيف تعامل معها واستخدمها في قصائده؟ 

وعند الحديث عن لغة الشاعر يمكن استنتاج قاموس شعري خاص به ، وفرز المفردات التي تشكل هذا القاموس الذي يعد بمثابة المفتاح السحري لقصائده ، هذه المفردات كثيرا ما يستخدمها الشاعر في قصائد ، مثل ” الحلم ، الطيف ، الجرح ، الماي ، ابنادم ” اذ انها كثيرا ما تتردد في قصائد المجموعة ، لا لانه عاجز عن الاتيان بمفردات اخرى ، وانما لانها تعبرعن حالة نفسية ، وعالم خاص يعيشه عند كتابة القصيدة .

ولو اعدنا النظر الى قصائده نجد ابا سرحان حين يكتب يغرق في حلم ، انه حلم جميل عذب ، هذا الحلم دائما ما يكون مرتبطا بالمرأة ، ذلك العالم الذي بقي مسدودا بوجهه ، ومجهولا بالنسبة له .

وهكذا تكون عملية الخلق الشعري عند ابي سرحان في نهاية المطاف رؤية شاملة ، وسفرا ممتعا في حلم جميل ، إذ لم يكن الموضوع وليد الساعة ، بل انه سابق لعملية الخلق الشعري ، احساساته ، تفاعله ، ارهاصاته ، كل ذلك يعد مبدأ للدخول الى تلك العملية الشعرية ، وهكذا يتوهج ايقاع القصيدة ، هاديء ، شفاف ، منساب كمشحوف على صفحة الماء ، كرؤية الحلم .

عندما يستخدم ابو سرحان المفردة فانه يعرف جيدا انها تنطوي على طاقات ايحائية كبيرة ، وامكانيات تفجر فينا مكنون المشاعر والاحاسيس ، والتعمق فيها ، ومتابعة قراءتها ، وهذا متأت من معرفته ما للمفردة المستخدمة من سحر وقدرة على الايحاء والتأثير في ذائقة المتلقي .

* (( ياخذني الحلم ويدور

سورة ماي

 ملت من شواطي الماي

وعيونك كمر ياهيه

ما لمت كمرنا ابحور

وانه بجفي الرمح تايه

واتيه اوياك

لذيذة الغربة عند بابك )) . – سورة ماي – 

قلت انه عند الكتابة يستغرق في حلم جميل ، إذ نجده يسمي مجموعته الشعرية هذه بإسم عالمه الذي يعيشه ” حلم واتراب ” ، انه حلم فقط ولا شيء ، و تراب ، وايضا يسمي احدى قصائده بإسمه وهي قصيدة ” للطيف وجه ابنادم ” ويهديها لبنام (ابن ادم) ، حيث يدعو قارئه الى الحلم ” وبلا حماس .. ادعوكم للحلم .. للموسيقى ، للتناسل ” .

هذا هو عالمه الخاص ، ولا اقول تجربته ، لان تجربته قد تلبست بهذا العالم ” الحلم ، الموسيقى ، التناسل ” ، وهكذا كانت قصائده .

يبقى شعر الشاعر ابو سرحان علامة مضيئة في عالم الشعر العامي العراقي ، وفي عالم الاغنية العراقية التي جذبتنا اليها في السبعينات خاصة بكلماتها الراقية، ذلك الزمن المبدع في كل شيء ، والمليء بقامات كبيرة في الادب والفن .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان