طالب الدراجي
رديلي الفرح رديت
معضد باب يبچيني
وأحن حنة حمامة بيت
مثل الطاكـ محني عكاده عالمهجور
يلتم العكد بينه ويعبرني ثلاثيني
جنح عصفور … تايه والعكود تدور .. تايه والعكود تدور .
للفضوة نشرنه چفونه جناحين
صارت بلحظة طيارات وغنينه
وجرح جنحي الطفل ياطوفة غصن التين
وجنح غنيدة دك جنحي وكسر عمري
وعبرنه سواجي وبساتين
بالحفرة كبرنه سنين
وردينه لهلنه هدومنه تنكط محبة وطين
يغنيدة امس ياحلوة الحلوات، صار العمر طوفة طين
وغفينه ولكينه الدرب والسماك وقمر الدين
نتختل وره النسوان والشياب
وندك المحله الحلوة باب اباب
يا أول جرس أرعن نتل فرحة وكاحتنه
كبرنه سنين
يا أول جرس انتلني … انتلني
لغنيدة امس للضحكة ردلي جناحي رجعني
وتغيب الشمس خضره على محّجر الجوارين
وألمح عمتي من بعيد وتضمني بعبايتها
وحس البيت
عمه الشمس ماتت وانت مارديت
عمه الشمس ماتت وانه مارديت
رديلي الفرح رديت
معضد باب يبچيني وأحن حنة حمامة بيت
أتلمس ثلاثيني وازتهن شدة امفاتيح
مارهمن ولامفتاح
لا افتك العمر بيهن ولا افتكيت
* حينما تعبر السنون بخطاها الصامتة محطات الفرح الغابر ويلتفت القلب الى مصابيح الأيام التي كانت متوهجة ، هنا يضج الحنين بين الحنايا وينبعث الأسى من القلب كطفل أضاع أمه في زحمة العيد لاشيء يكون بديلا لها الا هي . اذ كيف تعود الأيام ذاتها بزمنها الاول ورائحتها ونشوتها الاولى، ربما البيت نفسه والشارع والمحلة وبعض الاشياء نفسها، ولكن الطرف الآخر من المعادلة مفقود وهو وجه الشاعر الذي عبر الثلاثين عاماً قد تغير والوجوه الأخرى قد تغيرت بفعل الزمن الا روح الشاعر فهي باقية تحمل كل الازمنة الماضية، وتحاول عبثا ترتيب الاشياء وإرجاعها الى الفرح الاول.
( رديلي الفرح رديت
معضد باب يبچيني
وأحن حنة حمامة بيت)
قد رجع بذكرياته مطالبا برجوع الفرح اليه، الفرح الذي ظل يعيش بذاكرته ثلاثين عاما لاتناله يد الحزن وصروف الزمان . ان حلقة الباب التي كانت تترجم نشوته وسعادته حين طَرقها صارت تترجم بكاءه الان وتثير حزنه على ايام خلت فيحن ويئن كحمامة البيت .
( مثل الطاك محني عكاده عالمهجور
يلتم العكد بيه ويعبرني ثلاثيني جنح عصفور)
ومثلما الطاق المحمي على الفراغ تتجمع المحلة والشارع بين حناياه وينجح في عبور الثلاثين من عمره بجنح عصفور . وهذه السهولة لاتكون الا في أحلام الاطفال التي تنشر أكفها كما الأجنحة لتطير في عالمها الحلم وكأنها طيور حقيقية لاتختلف سعادتها وتلك الكائنات الجميلة بشيء او بلحظة أخرى طائرات تغنغن في الأعالي، تاركة قوانين الطبيعة وراء ظهرها سعيدة بانتصارها على المعقول وغير الممكن .
(للفضوه نشرنه چفوفنه جناحين …
وصرنه بلحظة طيارات وغنغنه …
وجرح جنحي الطفل…
ياطوفه غصن التين
وجنح غنيدة دك جنحي وكسر عمري
وعبرنه سواجي وبساتين).
وهنا يتذكر جيدا تلك الصبية الجميلة (غنيدة) والتي كانت هي الأخرى تشاركه نشوة الحلم والركض خارج دائرة الزمن والمعقول فكأنها التماس بين الجناحين او هما الكتفان اللذان يبعثان في قلبه النشوه والحب العفوي، الذي يكسر العمر فيتحول الطفل الى عاشق كبير تتحرك حواسه كلها لتكتشف جمال الأنثى لينفرد بها محلقا فوق السواقي والبساتين ثم يختبئ في حفرة، وهي ألذ واجمل ما تمنحه الطبيعة لذكر وأنثى يتبادلان الضحكات والقبل كعصفورين ناعمين قد تخلصا للتو من زغب الطفولة ليكبرا في هذه الحفرة سنين من العمر بعيدا عن الممنوع وغير الممكن ليتحدا بعاطفة كبيرة وبريئة تركت اثرها في ذاكرته الى اخر العمر لانها انتجت اول محبة اتحدت بالارض (ورديته لهلنه هدومنه تنكط محبة وطين)
وقد برع مظفر النواب بتصوير المشهد برومانسية عالية حيث يجعلك ترى تلك المحبة والطين تتقاطر من ثيابهما وقد اكد على الطين ربما لكونه المادة الأولى التي خلق منها الانسان وهذا بعد فلسفي يعطي للقصيدة قيمة ثقافية عميقة، تجعلك تفكر في اول الخلق وماهية الطين الذي اقترن بالمحبة . ثم يسترسل الحوار مع ( غنيدة ) هذا الاسم الذي هو أصلا يعني قطعة السكر الصغيرة لدى العراقيين . ولدى مظفر (حلوة الحلوات) لانها تتميز بحلاوتين حلاوة الاسم وحلاوة الشكل معا .
(يغنيدة أمس ياحلوة الحلوات صار العمر طوفة طين.
وغفينه ولكينه الدرب والسماك وقمر الدين).
وهنا يعطي ياء المخاطبة لغنيدة لونا من الحزن والتأثر على الأمس التي كانت غنيدة أجمل مافيه او هي محرك الشجن والحنين اليه . ثم يبوح لها بان العمر صار (طوفة طين) اي جدار من الطين وقد تكررت مفردة الطوفة في هذه القصيدة مرتين، وفي المرتين يجعلك النواب تتأمل العبارة وتدور حولها لعلك تهتدي الى القصد الـذي يعنيه الشاعر.
وهذا هو السر في شعر النواب فبينما انت تسترسل معه بلغة سهلة الفهم وواضحة المعاني، اذ يفاجؤك أحيانا بكلمة جعل البيت الشعري صعب الهضم وغريب التركيب . واعتقد انه يتعمد ذلك معلنا انه لايكتب شعراً فقط بل هو يرسم بحداثة فكره، تاركاً لك حرية تحليل لوحته لتعرف اي شاعر هو وأي متلق انت؟ والحقيقة هي ان اغلب قصائد مظفر الشعبية تحتاج الى ذائقة رفيعة المستوى لكي نقرأ ما وراء السطور فهو لايكتب بالسهل الممتنع ولايقدم وجبة سهلة الهضم . بل هو يوحي ويلّغز أحيانا ويركب صورته الشعرية بفن ودهاء لايكتشفه السطحي والعامي الذي ليس له عين ثالثة وهذا هو سر بقاء قصائده الى الآن تتصدر قائمة الأدب الشعبي في الدراسة والتحليل . فهو ليس شاعرا شعبيا تقليديا كما أسلفنا بل هو كينونة متعددة المواهب . نعم قد كتب بالعامية ولكنها أي عامية إنها عامية الفنان والشاعر الحديث الذي اطلع وتعمق بعناية كبيرة على مدارس الفن والشعر، فانعكست هذه الثقافة والدراية على تصوراته وتشبيهاته وطرق التعبير لديه . فانت حين تقرأ (الريل وحمد) تجد ان المفردات الشعبية فيها مفهومة وواضحة ولكن في بعض الأحيان تجد تركيبا من هذه المفردات تحيلك الى تصورات كثيرة ربما تصيب او تخطئ في فهمك لها، فمثلا حينما قال (صار العمر طوفة طين) انا أرى ان هذا البيت له علاقة بالبيت السابق (وردينته لهلنه هدومنه تنكط محبه وطين) ان هذه المحبة والطين وهما المادتان الخام لبناء (طوفة الطين) التي يشكو منها النواب فهي ثقيلة وكثيفة على روحه الشفافة هي جدار من الحب والذكريات والحزن والانكسارات كلها تجمعت لتكون كجدار الطين التي كانت بدايته قطرات من الحب والطين وربما اجدني في هذا التفسير لم أصب الهدف. وهذا أجمل وأروع ما وصل اليه النواب فهو يجعلك تستسيغ البيت الشعري وتتلذذ به، ظاهراو بالوقت نفسه تجهل المعنى الحقيقي او الباطني له. كما في (وغفينه ولكينه الدرب والسماك وقمر الدين) فهل لان العمر صار (طوفة طين) أخذتهم الغفوة وحلموا بالدرب والسماك وقمر الدين التي هي جماليات عالمه الاول او هناك معان أخرى يستبطنها هذا البيت. ثم تتوضح الاشياء بشكل سهل ومفهوم حين يتكلم الطفل الذي بداخله .
(نتختل وره النسوان والشياب
وندك المحلة الحلوة باب اباب
يا أول جرس أرعن …
نتل فرحة وكاحتنه… كبرنه سنين)
ان شقاوة عالم الطفولة تفرض هذه الحركة والاختباء وراء النساء والشيوخ وهي لحظات جمال محضة لايشوبها كدر . فلا شيء اسمه الحياء ولا الممنوع يحدد هذه الحركة والشقاوة بل الممنوع هو المتعة التي تدفعهم لطرق أبواب المحلة .
ويعود الى ياء المخاطبة تتبعه صورة شعرية جديدة ورائعة فهذا الجرس الارعن الذي ترجم فرحهم برنينه المجنون قد جمع الدهشة والفرح والخوف في زمن واحد ، زمن لن يتكرر ابدا، فقد ذهب الفرح والدهشة والخوف كل في طريقه، وهيهات ان ترجع تلك اللحظة فقد كبروا سنين وهذه السنين هي الحسرة والحزن الذي يبوح به ويشتكي الى ذلك الجرس الذي يساوي لديـه مـابقي من العمر . حيث يتوسل به ان يرجعه الى زمن (الوكاحة).









