ثقافة شعبية

بعض محطات رحلة العمر

  شريف مريود جبر 

 

 في ثمانينيات القرن الماضي، كنت أتابع تنفيذ عقد مقاولة لصالح وزارة الدفاع العمل ذات اهمية  فائقة  بالنسبة  للحرب العبثية السخيفة  بين العراق وإيران ويتوزع  بين محافظتي الديوانية  والناصرية ، ولضرورة  الحفاظ على سير العمل بموجب المنهج المقرر يتطلب  تواجدي في موقع العمل اربعة أيام في الأسيوع ، فكنت أسافر من بغداد يوم الاثنين الى محافظة الديوانية وأبقى الى نهاية يوم الثلاثاء ، واغادر صبيحة يوم الأربعاء الى محافظة الناصرية وابقى هناك الى يوم الجمعة ، أعود  بعدها الى بغداد  سالكا طريق  محافظة  واسط كنت أحرص على توقيت موعد وصولي لمحافظة واسط  بعد الساعة الواحدة ظهرا ، كي اتناول وجبة  الغداء  في دار استراحة  واسط ، والسبب كون من يشرف على المطبخ سيدة تجيد طهي وتحضير الطعام بشكل رهيب من جميع النواحي ، النظافة ، الجودة ،  والنوعية ، في احدى  هذه  الجولات  المكوكية جمعتني الصدفة مع الشاعر الشعبي  (غازي ثجيل )  في دار استراحة واسط وكان في ضيافته وفد رفيع المستوى  من  دائرة  الاذاعة  والتلفزيون  ( كون الشاعر غازي ثجيل كان مسؤول دائرة  الاعلام  في المحافظة  ويشرف على استلام وتوزيع كافة المطبوعات الحكومية ، من كتب ومجلات وجرائد كوكيل عام للمحافظة وما يتبعها من اقضية ونواح).كان ضمن الوفد مخرج تلفزيوني تجمعني معه صداقة قديمة ، وهو من عرفني بالشاعر المذكور بعد ان لاحظني ادخل الى المطعم ، سحب لي كرسي وجلست بينه وبين الشاعرغازي ، تناولنا احاديث عامة اغلبها انصب على الماضي وذكريات الصبا ومدينة العمارة . لم يطل بقاء الوفد اكثر من ساعة غادروا بعدها ، وبعد ان قام السيد غازي ثجيل بتوديعهم ومرافقتهم الى حيث تقف سياراتهم وبعد مغادرتها عاد ليجلس بجانبي وبدأ الحديث قائلا : علمت من الأخ  المخرج  بانك  مهندس  مدني  من الأخوة الصابئة . وللنكتة أجبته  : ما قاله صحيح وهل هذا يعني أن اقوم  بدفع الحساب كجزية !؟ ضحك بصوت عال جدا جلب انتباه الجميع وصاح قوية حييييل !! ثم  قال : لا أستاذ أرجو أن تسمح لي بالحديث لأن في داخلي شيء أود ان ابوح به وها هي الفرصة المناسبة بين يدي ، قلت : تفضل أخ غازي براحتك قال : لي صديق من جماعتكم  صابئي أعجز أن اصف لك ما يتمتع به من طيبة وشفافية ، مثقف بكل ما تعني الكلمة من معنى ، صريح ميال لعمل الخير،متفان في اداء عمله . لا أبالغ اذا قلت لك بسب هذا الرجل اصبحت احترم وأحب جميع الأخوة الصابئة ، وبعد فراق طويل كم أتمنى ان التقي بهذا الرجل. سألته : من يكون هذا الرجل؟

أجابني : عدنان عامر الجابري (أبو لهيب)

ابتسمت وقلت له : اخ غازي  وصلت ، لدي من المعلومات ما يسرك عن الأستاذ عدنان عامر ( أبو لهيب ) ، ورجائي كوني التقيك لأول مرة  وعن طريق الصدفة وربما لن يتكرر هذا اللقاء  ثانية مدى الحياة ، اضف الى ذلك ، اني من المعجبين بما اسمعه  او أقرؤه  من  شعرك العاطفي وأرجو أن تعتبر ما أقوله  هو حقيقة  ما احمله  بداخلي وليس من  باب المديح أو المجاملة ، واكثر ما يعجبني كونك متمكنا من اللغة ومفرداتها طيعة بين يديك وعندما اقرأ او استمع لبعض ما تنظمه من شعر اتذكر قول الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة اطال الله في عمرها عندما تسأل عن الأخ الشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد تقول: (عبد الرزاق يغرف من بحر ) واصفة غزارة وجودة شعره . وأنت ايضا اخ غازي تغرف من بحر في مجال الشعر الشعبي ، والذي أرجوه أن تسمعني بعض ما نظمته من الشعر العاطفي غير المقروء أو المسموع ولو لمدة نصف ساعة فقط . وبعدها نعود  الى موضوع الأخ عدنان عامر. استجاب لطلبي وقال : طيب الظاهر ما منها مفكة ! سوف اسمعك بعض القصائد التي نظمتها لبعض الأخوة المطربين الكبار كياس خضر وحسين النعمة ، وفاضل عواد ، وصباح السهل ، وقحطان العطار، ولم نتفق عليها في حينه فلم تر النور ولا تزال مركونة في مكتبي في الدار وبدأ يسمعني البعض منها ، قرأ بحدود  ثلاث  قصائد وللحقيقة  كانت قصائد  رائعة وجدا جميلة وقلت : اسعدتني بهذه  الروائع  اخ غازي  والحق اقول  انها جميلة جدا وذات انسيابية سلسة تريح المستمع ، وتجعله  منسجما مع القصيدة ، وكلماتها تحمل من الدلالات العميقة حيث كل مقطع فيها يحكي شيئا ويصور حدثا ويروي قصة. شكرني على هذا الاطراء واسترسل في الكلام قائلا : انه دائما يسعى لمساعدة الاخرين وخاصة الشعراء والفنانين وحكى لي كيف انه استطاع ان يساعد قحطان العطار من تجاوز ما يعانيه من الخجل والعزلة وقدم له نص اغنيته المشهورة (يا ضوه ولاياتنا ) وتحدثنا في امور كثيرة لا مجال لذكرها …هنا قلت : أخ غازي سأعود الى موضوع الأخ عدنان عامر أبو لهيب  اطال الله في عمره هو صديق طفولتي وصباي وكنا على أتصال دائم حتى بعد ان أخذتنا مشاكل الحياة،وأن جميع ما قلته من  خصال في هذا الرجل هي قليلة  بحقه وإني  فخور به  كونه من القلة الملتزمة  وأحمل  في  داخلي  الكثير الكثير من ماثر هذا الرجل  ومسيرة  حياته  النيرة والمشرقة. وسأطرح  عليك  مشروع أتفاق  ربما سنتفق عليه  وهو أن نلتقي في احدى زياراتك الى بغداد وستكون في ضيافتي وانا اتكفل بأن يكون الأخ عدنان عامر ثالثنا طالما لك الرغبة في اللقاء به وأترك لك اختيار المكان والزمان ولي رجاء عندك هو ان تسجل لي ما تعتز به من النصوص والقصائد لأحتفظ بها كذكرى على ان تجلبه معك إن حصلت لك الرغبة في اللقاء. قال : انا موافق على أن تعدني بأن تزورني بعدها في داري لغرض الاستشارة  بما يمكن عمله  لتطوير الملحق الذي  جعلته كمتحف في داري ليضم معلقات من المسدسات الذهبية والفضية والبرونزية وكذلك البنادق والرشاشات وشهادات وأوسمة  حصل عليها حسب ادعائه من صدام حسين ، وعدي ، وعلي حسن المجيد ، والشيخ زايد اّل نهيان واخرين لا أذكرهم، تم الاتفاق على هذا الأساس . واستأذنت للمغادرة بعد أن زودته برقم هاتف منزلي والمكتب والعناوين كاملة.

مرت الأيام  والأسابيع  والأشهر ولم ار او اسمع أي شيء عن غازي . وذات يوم وخلال تواجدي في ذات المطعم  بمحافظة  واسط علمت بانه قد تم العثور على جثمان غازي ثجيل مقطعا وموضوعا في كيس ومرميا امام داره .

والان نأتي على القصص المتداولة عن الطريقة التي تمت تصفيته فيها:

 القصة الاولى

كما اسلفنا بان غازي ثجيل هو مسؤول الاعلام في الكوت ويشرف على توزيع المطبوعات الحكومية بموجب عقد يجدد سنويا وقرب انتهاء العقد بين الحكومة والوكيل الذي هو غازي ثجيل وكان هناك منافس له، محام من اهل البصرة  وهو بعثي  مسؤول  شعبة  في البصرة، وابعد الى الكوت بسبب  فضيحة اخلاقية مع  بنت هذا ما قيل عنه . وهذا الشخص كان يكره غازي ثجيل وينافسه على وكالة المطبوعات الحكومية ويريدها لنفسه لما لها من مردود مادي كبير ويتحين الفرص للنيل منه  وفي  احدى  جلسات السكر بينهم  قام هذا  الشخص بتسجيل صوتي بشتم وسب غازي ثجيل لصدام حسين وصبحة فما كان من هذا الشخص إلا السفر الى بغداد لمقابلة مدير الأمن العام  لعلمه  بانه لو أوصل التسجيل الى مدير امن الكوت سوف لن يحصل على مبتغاه بالايقاع بغازي .

فما كان من مدير الأمن في بغداد الا ارسال الشريط الى القصر فارسل  صدام سيارة خاصة لجلب غازي ثجيل ثم تم اسماعه الشريط بعدها علمنا بأنه قتل وتمت تصفيته وعثر على جثمانه   مقطعا وموضوعا في كيس ومرميا امام داره وبعدها جرد من كل الامتيازات التي حصل عليها وصودرت امواله المنقولة وغير المنقولة.

 القصة الثانية

كان مدير امن الكوت حاقدا على غازي ثجيل ، قيل لأنه لم يحقق له حلمه في ترقيته الى رتبة اعلى بشفاعته  لدى صديقه وزير الداخلية ، كما وقيل انهما  تنافسا على مومس !! وطلبوا من أحد اصدقاء غازي الذي اوهموه بان غازي يكتب عليه تقارير أن يعمل نفسه غير عارف بأن غازي هو الذي يكتب فيه التقارير وأن يعزز ثقته بغازي ، ثم أعطوه مسجلا صغيرا وقالوا له اسهر مع غازي ثجيل وحين يسكر أجعل الحديث  في صدام حسين فاذا  قال أي شيء سجله له وسلمنا التسجيل. وفي ذات  ليلة حمراء  بين الخمرة  والطرب همس الرجل في أذن غازي  ثجيل : يعني صدام حسين يدري بيك انت تحب الطرب والأنس؟

فضحك غازي ثجيل وقال له : عليك العباس أبو فاضل خليني متونس ولتجيب اسم صدام ابن صبحة الكحبة جدامي ! فتمادى  صديقه  استثارته : يمعود مو أنت  تكول الصدام امك  صبحة رضعتك نور ما رضعتك  حليب ؟ فضحك غازي ثجيل  وقال  لصديقه  او للمسجل في جيب صديقه : يمعود انه اضحك على صدام حسين واخذ منه الفلوس ويمكن صدام مصدك انه بطل.

فوصل الشريط الى صدام  وسمعه  عدة  مرات  وهو ينتظر دخول غازي ثجيل عليه بعد أن أعد في قصره حكم الاعدام !! فدخل غازي ثجيل وهو لا يعلم شيئا عن المصيبة التي ستحل به قريبا ! بل ضحك عليه مدير الامن وقال له ان الريس يريد يكافئك !دخل غازي ثجيل فوجد صدام حسين  وحمايته  مكفهري الوجوه  مباشرة  قال  صدام  حسين : غازي اسمع  التسجيل  وجاوبني على سؤالي وبعد سماع التسجيل سأله صدام هل هذا صوتك ؟ فقال له نعم سيدي دخيلك  أعف عني ثم سأله صدام حسين : ما عقاب من يقول عن أم صدام حسين وهي أم العراقيين كحبة ؟ فقال له ماكو غير الموت  سيدي ! فضحك  صدام  وقال له ياغازي  سأجعل الموت أعز أمانيك فأطلقت الحماية الرصاص على رجلي غازي ثم أدخلوا عليه الكلاب لتنهشه ثم تركوه ساعات ثم عاودوا الرصاص  والكلاب، الى أن تقطعت اوصاله.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان