ثقافة شعبية

دراسة في طبيعة الشعر والشاعر عبد الحسين أبو شبع .. الشاعر المقاوم .. شاعر الروح الحية

حميد الحريزي

ونحن نكتب عن الشاعر الشهيد عبد الحسين أبو شبع لا نريد أن نتطفل على لغة النقد الشعرية لذوي الاختصاص في الشؤون الفنية والأدبية وخصوصا الشعر، وإنما جل ما نتوخاه أن نقرع أجراس الذاكرة النجفية لتوقظ في ذوات معاني الوفاء للرموز الوطنية في مختلف مجالات ومسارب كفاح الإنسان من اجل بناء مستقبل أفضل لأبناء وطنه وأبناء جنسه , وخصوصا عندما يتميز هذا الرمز بأكثر من صفة وأسلوب في مجرى هذا الكفاح الوطني الإنساني عندما يكون هو المناضل السياسي مقتحم حصون الظلم والاستغلال باللافتة والتظاهرة والتوعية كما هو حامل راية النضال الابقى والأمضى بقوة وغزارة وعمق إنتاجه الشعري معبرا أفضل وأجمل وأكمل تعبير عن هموم وطنه ومواطنيه وممزقا أقنعة زيف وجوه الاستغلال والقهر ودك أستارها مهما عظمت . وكما يقول هيغل عن الشعر مفرقا ومميزا إياه عن العمارة والنحت والرسم باعتباره يصوغ خلجات الروح الإنسانية من بحر كلمات اللغة المنغمة دون الاستعانة بالإشكال الخارجية حيث يقول ( قوة الخلق الشعري تكمن في صياغة الشعر للمضمون داخليا دونما استعانة بأشكال خارجية أو بتعاقب من الأنغام وهو بعمله هذا يحول الموضوعية الخارجية إلى موضوعية داخلية يظهرها الروح برسم التمثيل في الشكل عينه الذي تكون عليه هذه الموضوعية ويتحتم أن تكون عليه في الروح ) .
ومن هو الشاعر، فهل هو ذلك المجنون مسلوب العقل كشرط ليهذي شعرا حيث يقول أفلاطون ( الشاعر في الحقيقة شيء خفيف كالأثير مجنح ومقدس لا يستطيع أن ينظم ليستحق اسم الشعر دون أن يكون ملهما أو مجنونا أو اذا بقي في رأسه عقلا إطلاقا , فبينما يحتفظ الإنسان في رأسه بأي جزء مما يسمى عقلا لا يستطيع أن يبدع شعرا أو يقدم نبوءات ) .
ومن تاريخ ولادة الشاعر في 1912 في طرف الحويش احد الإطراف الأربعة التي تشكلت بعد إعلان الحكومة المحلية النجفية بعد انتصارها على السلطة العثمانية في المدينة في عام 1915 من زعماء المحلات الأربعة والبارزين من التجار والمثقفين .
وكذلك وعيه لإحداث ثورة النجف ضد الانكليزي في 19 مارت 1918 وما رافق ذلك من آلام وماس وبطولات في تلك الفترة، حيث كان عدد من اباء وأجداد الشاعر من المشاركين في الثورة ومن المنفيين بعد فشلها وهم كل من ( الحاج محمد أبو شبع وعباس حسون أبو شبع وهادي أبو شبع وعبد يوسف أبو شبع وخليل أبو شبع وهو جد الشاعر) . كذلك أحداث ثورة 1920 الوطنية التحررية ضد الاستعمار الانكليزي .
كان الشاعر الشهيد يتميز بقوة وتفرد الشخصية والعزة بالنفس والعنفوان والإباء حيث يشهد بذلك كل من يعرفه كما تشهد له بذلك سيرته العملية المعروفة وقصائده المنشورة وغير المنشورة، ومن الشواهد الشعرية يؤكد ويظهر ذلك بشكل واضح في هذا البيت من الابوذية ونلفت النظر هنا الى أننا عندما نذكر شاهدا شعريا لا يعني أن ما نختاره هو كل ما يخص هذه الصفة أو تلك أو هذا الحدث والموقف أو ذاك ولكن ضيق المقال وأحيانا عدم الوصول إلى المصدر ليثرينا بالمزيد من شعر أبو شبع الذي يملأ الكثير من الصدور . يقول أبو علي
بعدما انطر بليالي ولصفار
اعرف لص وكع بشراكي ولصفار
واحد من اعد روحي وله صفار
شما تكثر تزيد المعنوية
وهنا يعد الشاعر نفسه بحق رقما متميزا والبقية أصفارا لا تزيده إلا علوا وعظمة وكبرا واباءً، وشاعرنا يؤشر للكثير من الأمراض الاجتماعية التي تتميز بها وتزرعها في حاضنة المجتمع الفوارق الطبقية الصارخة نتيجة للقهر والاستغلال وأنظمة وسلطات القهر والاضطهاد وقوى التخلف والظلام ولكن هذه هي حساسية الشاعر حامل القيم الإنسانية الحقيقية الصادقة كالمحبة والوفاء والشهامة والكرم والشجاعة والى ما غيرها .
ومن بعض ماسجله الشاعر ، قصر ونفعية بعض العلاقات بين بعض من يعتبرهم إخوة واصدقاء وأحبابا حيث يقول :
عافتني الأحباب بدرب مخطور وجان الأمل تدفع عني الأخطار
اثأري هذا المثل مشهور اخوة وكت كَعدت ليل ونهار
وهو يبرر ما حصل له بسبب طيب سجيته ونكران ذاته المجبول عليها في حياته وتعامله مع الآخرين الذين كشفت زيفهم التجربة أثناء العشرة والرفقة والتعامل:
تدري جم صديق العاشر يته كشفته اعله الطمع واتجنبيته
امشي والصديق يطيب كَلبي الوحبيت ماغشيت حبي
اتعب ما يغزر ليش تعبي انه من افعل الزين اشو أجازه بشين
أدور عالوفه ومالكَيته
وقد كان الشاعر مرهف الحس جياش العواطف والمشاعر الانسانية ومنها الغرامية وقد قال في ذلك أجمل الأبيات والقصائد والمواويل الشعرية ومن ذلك وصفه الرائع للملة في قصيدة بعنوان ( وحگ شيلة الملة ):
وحگ شيلة الملة ونور وجنتها يطرب صوتها وتسحر ملاحتها
مملوحة شكل والوجه حنطاوي إلها جاذبية أو تجذب الهـاوي
دكتورة غرام اضنونها تداوي تشــافي تمــرض امـروتهـــــا
وقوله ودعوته الحبيب إلى ترك الحديث الفارغ و الأقاويل والتفرغ للتمتع بجمال الحبيب والتأمل والاستمتاع بكمال صفاته:
لا تشغلني بس بالقال والقيل خليني بخيالي وين ما ميل
أحب اعيون سود بلا كحل ميل
ومن طريف ما قاله الشاعر حين داهمت جاموسة هائجة دائرة مشروع الماء والكهرباء وتغريم العمال ما أحدثته من ضرر بالدائرة التي كان الشاعر يعمل فيها فقال في ذلك مناصرا قضية العمال وما يتعرضون له من مظلومية في ظل السلطة الحاكمة آنذاك:
هل الشهر صارت علينه هوسه هم نگيصه وهم نطح جاموسة
احنه عمال المكاين ولسلاك واگفين عله الخطر وعله الهلاك
بدل ما لعامل يگولوله هاك گاموا ينگصون من فلوسه
كذلك فان الشاعر من مناصري قانون الإصلاح الزراعي الذي جاء لصالح الفلاح العراقي المعدم وإنصافه من ظلم وتعسف الإقطاع وجبروتهم كأحد المنجزات الهامة لثورة الرابع عشر من تموز حيث قال الشاعر:
الإصلاح الزراعي اليصلح الأوضاع الثمر لهل الثمر والأرض للزراع
ومن طرائفه التي يرويها الشيخ شنان الخفاجي صديقه ورفيق عمره حيث يقول(كنا جالسين أنا وعبد الحسين في مقهى گبون المجازة في رمضان وقد قدم أبو علي سيكارة جمهوري إلى حسين الكوفي فرد عليه بأنه صائم فقال له أبو علي شعرا:
صايم شهر رمضان لبالك ايفيد .. قبطت هيجي شجول الجنة متريد
ومن شعره الموصوف بالحكمة والدعوة لاخيتار الأصدقاء وتحكيم الفرد لعقله في تبني الأفكار. وان المشورة المسداة يجب أن تكون واضحة جلية ظاهرة غير رمزية وان يمتلك الداعية لقول الحقيقة بصوت عال دون خوف او تردد وتورية:-
قارن بين هذا وذاك لتحير وامشي حسب عقلك واتزانه
او للانسان احچيله التفسير موترمزله و اتبسبس بذانه
وفي وصفه للقلم باعتباره أداة بيد من يمسك به إن كان نصيرا للحرية أم داعيا للعبودية حيث يقول:
يعبر عن ضمير إلي يملكه يسير بحسب توجيه المسير
إذا حر بطريق اللي يسلكه تشوفه أيفهم الناس ويحرر
واذا مستعبد بقيده يهلكه يخذل من يجي القيده يكسر
* * *
وقد كانت للشاعر مواقف جريئة وواضحة في مناصرة ثورة 1958 والدفاع عنها بالنفس والشعر في كثير من القصائد الشعرية التي تدل على وعي متقدم وعميق في تشخيص أسباب الظواهر والمواقف لمختلف فئات وطبقات وشرائح المجتمع العراقي ومنها مثلا يتساءل بتهكم ويرد بالحجة القوية عن سبب كره بعض القوى المحسوبة على الدين للاشتراكية التي يراها الشاعر من صلب الدين الإسلامي وسلوك وتعاليم رموزه فيقول بعض ما يقول في هذا المجال:-
تحرم الاشتراكية عله يا راي والقرآن گايـــلها يمولاي
شراكه بالهوه والارض والماي والاستعمار ما بيه النه تعمير
إذا انته خليفة علي الكرار وتعمل بالقضية وعندك أسرار
اشو تضرب دجاج أبليل ونهار عاش ومات ذاك ابخبزة اشعير
وله دائما وقفات مشهودة في نصرة الحق والعدل ورموزه والرفع من شان المناضلين والتغني بتضحيات الشهداء الإبطال الذين سار في طريقهم طريق الكفاح الوطني والطبقي والديمقراطي ومنها ما قاله بحق البطل الشهيد حازم الاعرجي المناضل الذي أعدمته السلطة الفاشية بعد أن فشلت انتفاضة حسن سريع البطولية في معسكر الرشيد، وكان الشهيد من رفاق حسن سريع والمشاركين في الانتفاضة حيث وقف على قبره قائلا:-
عيني تشاوف عالدرب وتراب
ومتهزني العواصف بعد وتراب
يرى گبرك الشامت حجر وتراب
ويره التاريخ قبرك مزهرية
* * *
وفي ما ذكرنا من الأمثلة والنماذج الشعرية وفي مختلف الإغراض والحوادث والمناسبات وهي تشهد على براعة التعبير وقوة التأثير وقدرة فائقة على التعبئة والتنوير التي امتاز بها شاعرنا الشهيد.
وبذلك نكون قد أوفينا بعضا من مستحقات العامل الثالث للعوامل النورية (نسبة للمفكر والعلامة العراقي الكبير الدكتور نوري جعفر) المطلوبة من الباحث في دراسة وتقييم نتاج الأديب أو المبدع وخصوصا الشاعر .
.
نتمنى على اتحاد الأدباء والكتاب أن يتبنى تراثه الشعري لجمعه وتصنيفه وطبعه وإصداره وتوزيعه باعتباره رمزا من رموز الثقافة والأدب الشعبي وعلما وراية من رايات الكفاح من اجل عراق حر ديمقراطي موحد.
(سال تيمورلنگ في مجلسه الإمبراطوري المهيب والبالغ العظمة وهو يعتلي عرشه الجبار سال الشاعر كرماني وقد كان اقرب جلساءه إليه:
– ياكرماني بكم تشتريني لو عرضت في سوق البيع؟
فأجابه قائلا: بخمسة وعشرين دينارا .
– قال تيمور لنك في كثير من الدهشة ؟..
ولكن حزامي وحده يساوي هذه القيمة!
فاجابه كرماني: إنما كنت أفكر بحزامك وحده لأنك أنت نفسك لا تساوي فلسا واحدا.
هكذا خاطب الشاعر ملك الملوك رجل الهول والشر تيمور لنگ.
فليرفع مجد الشاعر صديق الحق فوق مجد تيمور لنگ ولنسبح بحمد الشعراء الذين لا يعرفون غير كلمة الحق الجميلة التي لا تهاب ).
هذا ما قاله مكسيم غوركي بحق الشاعر والشعراء وما أورده حنا مينه في كتابه عن الشاعر العظيم ناظم حكمت . إما نحن فماذا نستطيع أن نقول ونكتب عن الشاعر عبد الحسين أبو شبع ماهو أكثر بلاغة من ذلك فلا يسعنا إلا أن نثني على قول غوركي.
وبالمناسبة نورد قصيدة رائعة للأستاذ الشاعر كاظم ستار البياتي ألقيت في الحفل التأبيني الذي أقامه اتحاد الأدباء في عمل جريء رغم انف الدكتاتورية التي غيبت جسد الشاعر ولكنها لم تستطع تغييب روحه وذكراه العطرة في قلوب مواطنيه من كافة الشرائح الاجتماعية.حيث ألقيت هذه القصيدة بتاريخ 3\12\1999.
تحت عنوان(من سطور التعب)
رتلت حرفك آيا اثر آيات
طافت معانيك مابين السموات
وقلت مالم يقله مدع اثر
يناصـب الحق يدعو للمراءات.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان