د. حسين الهنداوي
منذ نهاية 1973 لم تكف معرفتي المباشرة بمظفر النواب عن مواصلة التراكم عبر لقاءات متتابعة في بيروت وباريس وبواتيه ولندن وقبلها جميعا في مقهى الهافانا بدمشق المدينة التي عاش فيها كريماً بين بسطاء شعبها ومثقفيها ومنحها محبة راسخة. بيد ان معرفتي بعالمه الابداعي الثري والمتعدد تظل خارجية وضئيلة وتحتاج الى احاطة شاملة ومنهجية ولا اتحدث هنا فقط عن شعره الفصيح الذي راح يهيمن على عطاء مرحلة المنفى كما لو انه الوحيد.
وهناك الآن العديد من الاطروحات الجامعية بمختلف اللغات عن ظاهرة مظفر النواب وعشرات الدراسات المفصلة المنشورة وغير المنشورة عن شعره الفصيح بينها مؤلفات معروفة لكتاب عراقيين وعرب منها على سبيل المثال كتاب “مظفر النواب شاعر المعارضة السياسية” للناقدين السوريين عبد القادر الحصني وهاني الخير (دمشق 1996)، وقبله كتاب باقر ياسين “مظفر النواب حياته وشعره” (دمشق 1988)، وبعدهما كتاب “الثورة النوابية” لحسين سرمك حسن الصادر في 2010. كما هناك عشرات الدراسات المتباينة في العراق وخارجه عن شعره باللغة العامية تؤكد كلها القضية الجوهرية بلا شك والمعروفة جدا، والتي تميزه قطعا وتعطيه مكانة لامعة في شعرنا الشعبي العراقي المعاصر، وهي ان التجديد الجمالي الرفيع والخصب الذي حققته القصيدة النوابية في هذا المجال يمثل عالما فنيا وجماليا قائما بذاته فيما تمتلك اهمية خاصة محاولته، في شعره باللغة الفصحى هذه المرة، ان يسحب على فن الشعر مفاهيم تخص فن الموسيقا والحركات السمفونية تحديدا وهو ما عبر عنه بنفسه في مقدمته لديوانه الاول باللغة الفصحى “وتريات ليلية” الذي ضم ايضا مجمل الهموم الفكرية لمظفر النواب وليست الفنية او الشعرية وحدها، فمن خلال متمعنة لهذا الديوان نجد، في موقع او آخر، ثمة مناخ يعبر ضمنا بل صراحة عن هواجس صوفية واخرى تتعلق بموضوع فهم الموت والزمن والذات والمطلق خاصة. ولعل من الممكن القول ان ما كتب عن المنجز الشعري لمظفر النواب يفوق ما كتب عن منجز اي شاعر عربي معاصر آخر باستثناء الجواهري والسياب ربما.
ومع ذلك، تعرض شعر مظفر الى حصار قاسٍِ ومتواصل من قبل مؤرخي الشعر “الرسميين” في العراق والعالم العربي. فبرغم انحيازه العميق والجريء الى جانب الثورة الفلسطينية والثورات العربية اجمالا وشعبيته الهائلة، تجنب معظم نقاد الشعر العربي المعروفين دراسة شعره بشكل مناسب او حتى التطرق اليه اما خشية اغضاب نظام البعث العراقي المتحالفين معه احيانا او لاسباب ونزوات ذاتية او اخرى. وهكذا كان حال اولئك الذين هاجموا شعره بالفصحى على اساس قوة نزعة المباشرة فيه وبعض الشتائم، او اولئك الذين اعتبروا، كوجهة نظر نقدية، ان المجد الحقيقي لشاعرية مظفر النواب يكمن في “أرض أخرى: القصيدة العامية” اي في مرحلة تسبق وصول البعث الى السلطة في العراق.
شاعر الجوى الجنوبي الحميم
ثمة قصيدة لمظفر النواب نحفظها عن ظهر قلب لكثرة حضورها في حياتنا لتعبيرها ربما عن واقع عبثيتها كما عن الجوى العراقي الاكثر صدقاً لا سيما اذا كان جنوبياً:
مــو حزنْ
لاﭼ-ن حَزين
مثل ما تنْـﮕ-طع جوّه المطر شَدّة ياسمين
لك مو حَزن، لاﭼ-ن حزين
مثل صندوق العرس
ينباع خردة عشـﮓ من تمضي السنين
انَه ﮔ-تلك مو حزن
لاﭼ-ن حزين
مثل بلبل ﮔ-ـعَد متْأخّر
لـﮔه البستان كلهه إبْلَيّه تين
مو حزن، لا مو حزن، لا مو حزن..
تلك سلفا لحظة غنائية عليا في نوعية الشجن الانساني، العراقي وغيره، يسطرها هنا، في هذه القصيدة، مظفر النواب. لحظة تتوازى وتتحد وتتوحد مع النقلة النوعية المثيرة المتعددة الاتجاهات التي حققها الشعر العراقي عبر مثابرة اكثر من نصف قرن؛ جعلت من اسلوب مظفر النواب في شعر الفصحى مثلا، وموقفه النقدي فيه، مدرسة شعرية مثيرة للجدل، فعلا، انما مدرسة رئيسية متنفذة ومؤثرة في كل العالم العربي من المحيط الى الخليج وحتى لدى خصومها احيانا ورغم كل حروب بعض الحساد والصغار الشعواء عليها، فيما، ومنذ فترة اقدم، رفع شعر النواب المكتوب باللهجة العامية العراقية، هذا الصنف من الشعر الشعبي الى مصاف فن خاص متكامل بذاته وعلى درجة رفيعة من النضج والرفعة على صعيدي الشكل والمضمون يتباهى بها حتى مثقفو الفصحى العراقيون، ما جعله على كل لسان تقريبا في بلاد الرافدين بل ومنتشرا، عبر بعض القصائد او المقاطع، في كل دول الشتات العراقي بل في سوريا ولبنان ودول خليجية وعربية اخرى كان بعضها يعتبر اللهجة العراقية محض هرطقة جبلية.
ويقيناً بالنسبة لي ان مظفر النواب كان احد اكبر الشعراء العراقيين، وربما الاكبر، بين الذين اقترن اسمهم بهذا الانجاز الكبير للشعر باللغة العامية. فاهمية شعر النواب الشعبي أكثر من استثنائية في الواقع الى حد اعتباره سفر نضال بذاته. وهي لا تقتصر على تحقيق هذه النقلة وحسب، انما ايضاً، وبجهد ذاتي وواع دائماً، في إنضاجها وتكريسها مأخوذاً في آن واحد بهم المفاعلة غير المبتسرة ما بين الحداثة والاصالة من جهة والعالمية والعراقية من جهة أخرى. ومعه، ومنذ قصائد “الريل وحمد” تحديدا، المكتوبة في حوالي 1959، سيجد الشعر الشعبي العراقي نفسه ولأول مرة في العصر الحديث محط اهتمام عربي واجنبي. فقد نجح هذا الشاعر في احداث قطيعة جمالية حاسمة مع الحالة الماضية. وبغياب دراسة شاملة وعميقة حول العبقرية النوابية في الشعر الشعبي، يكفينا تأمل بعض قصائده كـ”ريحان” أو “حسن الشموس” أو “إبن ديرتنه حمد” أو “حجام البريس” او “روحي” او “البنفسج” او “زرازير البراري” للكشف عن الجوانب الخاصة بهذه العبقرية لا سيما لجهة ثراءاتها المتعددة. وربما يمكننا القول –امام الصرح البديع الذي ارساه هذا الشاعر- ان القصيدة الشعبية النوابية من العسير تجاوزها جمالياً لفترة مهمة قادمة كما هو واضح الآن، لأسباب موضوعية كثيرة ابرزها التأثير الطويل لغيابين: غياب فسحة التنفس- التفاعل الضرورية لتجاوز كهذا نظراً للنزعة العدائية التي ثابر النظام البعثي في العراق، على التلويح بها ضد هذا الضرب من الفن، وغياب عبقرية شعرية جديدة تبزّ فعلاً، أو على الأقل توازي، تلك التي إقترنت، باعتراف واسع، باسم هذا الشاعر. ويمكننا اضافة عامل ثالث هو الافراط حاليا في استخدام الشعر الشعبي كوسيلة جاهزة ومجانية للتعبئة الدينية والسياسية التجارية الرخيصة.
شاعر وفنان متعدد المواهب
ومظفر النواب الشاعر الكبير فنان نغمي ايضا واسع المعرفة الموسيقية وذو صوت فاتن الدقة والطبقات، كما هو فنان تشكيلي موهوب اقام عدة معارض للوحاته. ولئن انقطع عن الرسم مثلا او تركه يتهمش طواعية بعد اولوية في الهم والاهتمام نالها مبكرا بصحبة حافظ الدروبي الكبير، فذلك لان شاء، او شاءت الاقدار، ان يستحوذ الشعر على كل شيء تقريبا لديه ويصبح منمنمته المفضلة التي يتدوزن فيها بكامل طاقته الجمالية والابداعية. وهو امر نابع ربما من مهنة الحل والترحال التي احترفها او كاد.
ومظفر فنان مسافر، وعلى قلق ايضا، كما عرفته. والحال، وحده الشعر الفن الذي يتماهى مع الترحال والقلق في آن واحد بين الفنون. بل هو الفن الوحيد الذي تحمله دون ضيم صرة الترحال وبلا تأشيرات وبلا جواز سفر. وهذا ما تبوح به رسوم هذا الشاعر الكبير ذاتها التي، وهذه مفارقة وحدها، اختارت لنفسها حجم القصيدة احيانا لتغريه هو المسافر، المسافر الازلي ربما، بان يحملها معه كبعض منه. ثم ما الذي أهمّ، في المحصل الاخير، أكثر من السماح للرغبة الجمالية في ان تتمظهر وتحقق ذاتها ما دامت تلك الرغبة ذاتها، بنظري، حاسة سابعة او ثامنة لا قيمة للحواس الاخرى بدونها اصلا.
لا شك ان مظفر النواب كفنان لا يريد ان يحصر متعته في الكلام وحده، لذا فهو يتدفق الى الخطوط والالوان ايضا وكذلك الى الموسيقى لمن يعرف ذلك، وكل وسيلة اخرى تسمح له بنشر حبه للجمال والناس والعراق. لكن الترحال وانتظار الترحال جعل من الكلمة صاحبه الذي لا يخلع. فمظفر في المقام الاول شاعر كبير اما العلاقة مع اللوحة او الموسيقى، فقد تحولت لا اراديا الى علاقة غربة لا تباح، او علاقة تشوق لحبيب ظل بعيدا عن العين لنحو نصف قرن، هو العراق. لكن الحبيب الحبيب يظل حاضرا في كل شيء مهما تفنن في النأي والصد والغياب. من هنا هذا السر في انبثاق اللون او اللحن او النغم مثلا في قصيدة مظفر النواب كما لو انه، او انها، القصيدة ذاتها. بل ان الكثير من رسوم مظفر الفنية ولدت كما لو انها جنين لقصيدة او مقطع شعر في معركة بقاء لم تحسم بعد منذ ان عرفت تلك الاعمال الفنية ان تتحول الى رسوم بالكلمات.
الاهوار الصوت الحاسم
هل من الضروري القول ان الكثير من قصائد مظفر واكاد اقول كلها تحمل همّ الوفاء لطاقة الرسم والموسيقى لديه فتبدو هي نفسها وكأنها رسوم والحان كما لو ان طاقة الخلق لديه تعرف كيف تعبر عن رغبتها بالشكل الذي تحب هي ايضا؟.
بداهة لا يعرف غيره جوابا شافيا على هذا السؤال واسئلة كثيرة اخرى حول الطاقات الفنية للشاعر الكبير مظفر النواب. بيد انني ازعم معرفة الكثير عن معرفته الواسعة بالموسيقى الكلاسيكية العالمية والتراث الغنائي العربي والعراقي كما عن طاقته النغمية واطواره الغنائية المفضلة التي صرنا نقلدها احيانا. وكم هي ممتعة الامسيات التي حملتنا على بساط صوته الصافي الى عوالم ألق اخرى واحيانا برفقة الفنان سعدي الحديثي او الشاعر الراحل بلند الحيدري او التشكيلية الراحلة دلال المفتي زوجة بلند او سواهم من الادباء والفنانين والاصدقاء. اما منابعها لديه فمعقدة وقدرية هي ايضا. وفي برلين قبل نحو عقدين طرحت عليه من جديد سؤال حقيقة دور الاهوار في انبثاق الاشياء الجميلة لديه، فكان هذا الجواب:
“الاهوار هو الموضوع الذي ساعد في تفتح كل هذه الاشياء في داخلي، فالهور ليس مجرد مكان، انما هو زمن وروح ايضا، كما ان الكتابة في الشعر الشعبي العراقي هي كتابة قاصرة اذا لم تكن مبللة بفهم روح الهور، لأن الشعر يصير مكتوبا باللهجة العراقية عندئذ وحسب وهو بالتالي ليس بالشعر العميق او الشعر الحقيقي حتى اذا تضمن كلمات الهور او الاهوار، انه في احسن الاحوال تعبير خارجي عن روح الهور والبردي والقصب. يسألني البعض احيانا كم عشت في الاهوار؟ لم اعش في الاهوار الا عدة مرات فقط، كل مرة لم تتجاوز بضعة اسابيع، لكن زياراتي كانت حاسمة في حياتي فقد احسست خلالها بأن صوتا داخليا يقول لي هنا تستطيع النمو، اهل الاهوار يعرفون ما اعني بذلك لأنهم ليسوا خارجيين عليه كما هو حال غيرهم”.
اهم الاخبار
ثقافة شعبية
فتى العراق مظفرالنواب .. شاعر الجوى الجنوبي الكبير والمثير
- 10 مايو, 2017
- 635 مشاهدة









