كاظم غيلان
عملية التحقيب اي (التجييل) الشعري لم تجد فرصتها الذهبية التي اطلقها البعض من مبتكريها الا تلك التي اضفت هالة القداسة على شعراء العامية العراقية في حقبة سبعينيات القرن الماضي . ولكن ما الذي بقي من هذا المقدس السبعيني في الالفية الثالثة وهي في ربعها الاول؟ اين هو نتاجه الابداعي الذي يعكس تفاعله مع متغيرات حياته (العراقية) بامتياز وبما فيها من انقلابات وتقلبات ، من مرارات وخيبات وآمال .. الخ؟.
كل هذه تركت جانبا لدى المتمنطقين بـ (النقد) او بالاحرى ( ابواق النقد) ان وجدت حقا ازاء اسم اي شاعر انبثقت تجربته الشعرية في تلك الحقبة ومن ثم اصابه الخرس حتى غدا واحدا من جماعة الصم والبكم وتحول الى مايشبه (البالون) لاغير. ان الاخر المدافع بلاهوادة عن مقدسه السبعيني هذا لا دلالة له على وجوده، سوى ان لصاحبه اصدارا في تلك الحقبة ويالها من غرابة!! هذه اسئلة واجوبة بذات الوقت. فلو افترضنا ان هناك دائرة في الشعر مشابهة لدائرة الطب العدلي فكم ستصدر من شهادات وفاة شعرية ولاسباب شتى كاللوكيميا والشلل النصفي والشيخوخة وغيرها من اسباب، بيد ان ( الموت واحد). المدافع عن غريمه الشاعر السبعيني المصاب بالخرس الشعري، لربما يمتلك مايعينه من رطانة تشجعه لان يكون ولو ناقدا ، لكن اي ناقد هذا المحشو دماغه بكل موروثاته القبلية من (العراضة والفصل والكوامة .. والخ)؟ فهل تحرر عقله اولا من كل هذه الترهات ليتأهل على اقل تقدير للشروع بكتابة نقدية ام يكتفي بحشو (العمدان) التي اغرته الصحافة واجتذبته اليها ليقنع نفسه بيد انه لايوهمنا. هذه اسئلة اخرى صادمة بلا شك لكنها مصرعة لمشروع نقدي ولد ميتا، لانه عاش في رحم ارومة العواطف الاجتماعية الرخيصة التي تستدعي التنازل عن كل القيم الابداعية الحقة شريطة ان لاتسقط قاعدة الحب السبعيني التي شكل ركنيها شاعر اخرس وناقد مأخوذ بالعاطفة المتسطحة ، لاننا نعرف النقد هو اللب ولاتعنينا القشور التي ما ان تترك للهواء الملوث حتى تبث روائح تعفنها. ان عودة ممكنة لمن يريد ان يجهد نفسه بارشيفات العديد من صحف ذلك الزمان التي كرست بعض صفحاتها لشعر العامية كـ( الراصد، المجتمع، طريق الشعب ) البارزة في تلك الحقبة ستؤكد له حقيقة ماجاء في عنوان موضوعي هذا ولربما سيضطر لكتابة مرثية الوهم السبعيني، بل وحتى الستيني، ولو اجهد نفسه اكثر للبحث عما تبقى من اصدارات شعرية لتلك الحقبة وبحث عن اسماء اصحابها باستثناء من رحلوا عن الدنيا لكتب مرثية اخرى لمن تبقى منهم في الحياة ولكنه دون حياة شعرية الا اللهم باستثناء (صورة قيد( تثبت سبعينية ولادته الشعرية. الشعر مشروع ابداعي شخصي بحت ومن المستحيل ان يبقى رهين حقبة زمنية محددة، مهما كانت درجة اضطرابها او استقرارها الحياتي بالنسبة للشاعر كذات مولعة بهمومها وامزجتها وتطلعاتها اوبانتماء وطني او اجتماعي. لقد القت السياسة بظلالها على الثقافة العراقية وبقوة لاتخلو من القسوة وعلى مدى اكثر من ثلاثة عقود بحكم هيمنة نظام شمولي فاش طال العديد من التجارب الابداعية لكنها لن تتمكن من اخماد لهبها، كمواهب حقيقية راهنت على المقاومة بكل اسلحة الجمال وليومنا هذا ومع انها بذات الوقت لن تتدخل في حياة اي من التجارب التي اصابها الخرس ، لكن (المبوقين) لها يدافعون ويتدافعون لانقاذ مايمكن انقاذه كحالهم في الدفاع عن قبليتهم وطائفيتهم او مناطقيتهم وجميعها لخاسرة ازاء الانتماء الحقيقي للابداع كمشروع جمالي. ولكي ارسخ مااردت بما يخص ديمومة الموهبة، فلنا في بعض الاسماء السبعينية كــ ( جمعة الحلفي، رياض النعماني، كامل الركابي) خير مثال، اذ عاشت هذه التجارب حياة المنافي القسرية لاكثر من ثلاثة عقود وبكل مافي المنفى من قساوة بيئية واجتماعية واختلاط لهجات، لكنها بقيت مواهب لها وهجها الخاص .. لكن كم من الستينيين والسبعينيين الذين اصابهم الخرس الشعري وعطب العطاء ولم يبق في جعبة اي منهم سوى ارث ماض سحيق!! وكل ماتركوه من مجد ، صنعت عواطفهم شبحا نقديا ذيلا وتابعا ومتابعا يحاول عبثا النفخ في ارواح تفسخت كما جثث مهملة ، ولكم كان المعري العظيم مصيبا حين قالها في بيته الشعري الخالد الذي لخص كل ما ذكرت : في كل جيلٍ اباطيل يدانُ بها.. فهل تفردَ يوما بالهدى جيلُ؟.









