ثقافة شعبية

حسن الخزاعي.. شاعر الجمال السومري الأصيل

وجد

حين كتب الشاعر حسن الخزاعي هذا النص الجميل ، كان يعيش في ذروة الوجد والالفة والحنان ، والامل والمودة والتسامح والسعادة ، وكما بعض الامراض الخطيرة تنتقل بالملامسة ، فان العشق يعدي بالاحتكاك والتأثير والتواصل والاقتراب ، وما اجمل عدوى الود التي تشذب الوجدان من الشوائب ، كانت سيماء الافراح مرسومة على وجوه الناس ، لا حروب ولا بطالة ولا شهداء ولا ضائقة مالية ولا ديون ، لا شيء سوى الحانات الساهرة ، تقدم لك الكؤوس مترعة بالنبيذ الاحمر ، لا شيء سوى الصبايا والشوارع الطويلة ، لا شيء سوى الاعراس والاغاني والمواعيد وثياب البنات المدهشة . 

والكل عشاق بشتى الطرائق المتاحة ، هناك من يعشق النساء البدينات ، وهناك من يعشق الكتب الاجنبية المترجمة ، والبعض يحب الماركسية والرايات الحمراء الخفاقة في الاعالي ، والبعض يصلي في جامع المدينة الكبير . وبعيدا في الخرائب ، يقبع الحقد منفردا في الظلام ، واصابع العشاق تشير الى التافه والاناني والحاقد والبغيض ، انظر الى لونك الاصفر الكريه ، انظر الى ملامحك القاسية القسمات ، انظر الى وجهك في المرآة كم هو مخيف وقبيح . 

 

الحب السحري

 

اعرف الكثير من الناس البسطاء ، تحولوا الى شعراء بفعل الحب السحري ، وبدأت القصائد تنساب على شفاههم بسهولة ، والصور الشعرية تهبط عليهم بكثرة ساعات الفراق المريرة ، فالعشق هو الذي يحرك النفوس الراقدة ، ويوقد فيها جذوة الابداع . ومهما كان الانسان متصوفا ، او مبتعدا في عوالي الجبال الشاهقة ، او معتزلا في مغارة ، لابد ان يحن الى الجمال ، وحين يشاهد الوجه الصبوح الكامل الصورة ، يهيم على وجهه في البراري ، كما هام الشاعر الدرويش جلال الدين الرومي في محبة شمس الدين التبريزي ، الذي يقول عن هذه التجربة : 

كانت الكلمات تنثال علي اسرابا ، ثم تغادرني بالسرعة التي تأتي بها كالطيور المهاجرة ، فما انا سوى سرير الماء الذي تتوقف عليه وتستريح ، وهي في طريقها الى المناطق الاكثر دفئا . وعندما كنت ابدأ قصيدة ، لم اكن اعرف ما ساقوله سلفا ، ولم اخطط لها ان تكون طويلة او قصيرة ، وحينما انتهي من الكتابة، يتملكني الهدوء مرة اخرى، فاعيش بصمت.  وكل فرد يرى ابناء قومه هم الاجمل ، بلا تعصب ولا نرجسية ولا تشدد ، ودائما يميل الى اظهار الصفات الحسنة عندهم ، سواء في الشكل او الجوهر ، وبالتأكيد العاشق الولهان يعتقد ان جمال الحبيب اسطورة ، ونظرات العيون الجارحة ، لها وطأة تشبه طعنة الخنجر القاتلة . لكن غياب الحبيب الى الابد ،يسبب لك البؤس والنحول والاوجاع والاحزان والوحشة ، ويتحول بنظرك كل هذا العالم السعيد ، الى كوم من الخراب والخواء والعدم، ومن يأتي لك بخبر عمن تحب ، حتى لو كان كاذبا ، تعطيه ما يريد من المال والثياب والذهب ، وهذا قليل ولا يساوي ثمن الوصال الذي يعني ، العيد والهلاهل والرقص والاهازيج والشموع والحلوى .

( يلجمالك سومري / ونظرات عينك بابلية / يلي جيتك عيد اليه / اعلك شموعك بديه ).

 

ذنوب

 

الحب يصنع الابطال والعظماء والثوار والمغفلين ، كما يشير المثل السويدي ، والعاشق يتستر على الاخطاء والهفوات والذنوب ، والعدو يترصد السيئات والكلام المسيء ، ومن يهوى لا يبحث عن سعادته الشخصية ، وانما يجد كل المباهج والافراح والمسرات ، في عيون الحبيب المشرقة ، ومن يستطيع انكار الغرام اذا دق على ابواب القلوب المتعبة ، ومن ذلك الفارس الشجاع الذي لا  يفتح له الباب ، ويدعوه بكل امتنان الى الدخول . والحب بحسب غاندي :

طاقة كونية شاملة ، لحركة التكوين النابضة وهو لها دافع ومحرك ، اذ لا وجود لنا بدون هذه المشاعر الرهيفة ، المنطلقة من الروح الودودة ، صوب الناس والطبيعة والبحار والغابات والاكوان ، والقصيدة فضحت وقوع الشاعر في هيام وجداني رقيق ، يقول كارليل :

اذا راح الرجل يصف احدى النساء باتقاد الذكاء ، وبراعة القد ، وحسن اختيار الملابس ، فان هذا من علامات المحبة ، وهكذا يبقى الوداد يكبر يوما بعد يوم ، والنمو يديم العلاقات الانسانية ، والنقصان يقضي عليها بشكل بطيء .

(وردت حرفين مابين الكلوب / نورت شمعات بالطيبه تذوب / ظل خيالك / يكبر الشوك اعلى فيه ).

 

نيسان أقسى الشهور

 

في المقطع الاخر تكون لغة الشاعر اكثر توهجا وتماسا وحرارة ، وها نحن نفصلها تفصيلا ، النسرين الورد الابيض دليل البراءة والنقاء ، والسلام راحة البال والهدوء والصفاء والاطمئنان ، اما نيسان فانه شهر المتناقضات والعجائب ، فهو حار وبارد ومنعش وتحمل نسائمه العذوبة والتراب معا ، وجالب للكثير من المشكلات والبؤس والخراب ، وما اكثر المتضادات في هذا الشهر العجيب ، كالحرب والحرية والاحتلال والموت والخوف والامان والصحو والمطر ، يقول اليوت في قصيدة الارض اليباب ( نيسان اقسى الشهور / يخرج الليلك من الارض الموات / يمزج الذكرى بالرغبة / يحرك خامل الجذور بغيث الربيع ).

اما السكوت فهو فن التأمل العظيم ، والابتعاد عن الضجيج والصراخ والضوضاء ، والانغماس في خيالات الباطن ، والعشق لا يجد نفسه الا في السكوت العميق .

(ضحكتك نسرين وعيونك سلام / طيبتك نيسان والسكته كلام / زيد ياطيف العمر شوكك اليه ).

 

ملاحظات

 

ادعى الشاعر الراحل جبار الغزي ، ان المقطع الاول فقط من تأليفه ، واضاف عليه الجملة الاتية ( يالجمالك سومري / ونظرات عينك بابلية / تكبر ورود البراري / مره لو مريت بيه ).وانحسم الامر لصالح صاحب الاغنية حسن الخزاعي ، غناها الفنان الراقي الدكتور فاضل عواد ، ولحنها مفيد الناصح ، وهي من بحر الرمل والمقطع الاول يكتب بالشكل الاتي ( يلجمالك سومري ونظرات عينك بابلية )، ويكون تقطيعها العروضي ( فاعلاتن / فاعلاتن / فاعلاتن / فاعلاتن ). 

وبرغم المباهج الكثيرة وقتذاك ، لكن في الزوايا المظلمة وفي الخبايا الرطبة ، كان العنكبوت ينسج الخيوط على الرقاب الرقيقة ، ويلتف على كل اصيل لا يداهن. 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان