سعى العديد من شعراء حركة التجديد في القصيدة العامية العراقية لابتكار أشكال وشحن مضامين من شأنها أن ترسخ مفاهيم ورؤى جديدة للمتلقي، ولتؤكد له مدى ما وصلت اليه من فتوحات فنية جديدة تتناسق مع ماحققته الضفة الأخرى وأعني مماثلتها في شعر الفصحى،لا سيما ان كلا الاتجاهين كانا متقاربين زمنياً في تأسيس خطاب الحداثة وأعني السياب – نازك في الفصحى ومظفر النواب في العامية،الا أن الباحثين والنقاد الأكاديميين المتزمتين لم يشيروا لذلك – عن قصد طبعاً – اذا ماعرفنا بتحامل اعلام المؤسسة على العامية بوصفها هادمة لـ(المشروع القومي الطليعي) برغم هزالته، ناهيك عن غياب النقد كمتن مرافق لتجربة العامية، وإن وجدت في سبعينيات القرن الماضي الا أنها وصلت متأخرة خجولة .
منذ اصداره الشعري الأول “نوم الهلاهل” 1970 والشاعر اسماعيل محمد اسماعيل المجدد مأخوذ باشتغالات بعيدة عن ذلك الصخب السبعيني – برغم حماسة شعرائه ووعيهم المعروف- وراح يلتفت لعناصر القصيدة الأخرى المغايرة محققاً سبقاً بين مجايليه فكانت قصيدته (صوات للطيرة الغريبة) 1972 والتي شارك بها في المهرجان السنوي الرابع المنعقد بمدينة السماوة بالعام نفسه والتي لفت بها وسطنا الشعري في توظيفه لعنصر – الصوت – الذي لم يكن قد ألفناه من قبل ولعلها بادرة تسجل لمشروعه الشعري.
الصوت هنا والذي أعنيه ليس ذلك الذي يصادفنا في المتناول التنظيري الذي يميل للألغاز بسائر تفرعاتها انما الصوت الذي وجد فيه – ريشاردز- عبر بحثه لمبادئ النقد الأدبي (مفتاحاً للتأثيرات الأخرى في الشعر).
الأصوات التي استخدمها اسماعيل أو لنقل وظفها كانت ثلاثة (صوت استغاثة- صوت صفير- صوت ضحك يفاجأ بألم).. وهذه الاصوات جميعها توجهت لــ(الأرض- الانسان- الثورة) لكن وحدة مضمون القصيدة بشكل عام تتصل بخلفية الشاعر الفكرية التي عرفت عنه والتي ضحى من أجلها كثيراً، لذا غدت ثيمة لخطابه الشعري، فهنا الأرض منذرة بومض وشمس في اشارة لتطهرها من أعداء الانسان: (اجت سورة أبوميض الريح \ وزياك الشمس هدله أعله بتهه أتصيح\ مفطوم الضوه ايود يرضع اجروحي\ روحي ليا تعب.. ضويه ونبع
روحي).
ولاحظنا كيف تمسك الشاعر بسعيه لتوظيف الحوار لينتقل عبره لخطاب الصوت الواحد-الاستغاثة- في مقطع آخر (للانسان):
(أجه ابهويه أعله أثرهه الريح\ينسل صفة الدنيه بخناجر صوت (آ..ها،آ.. ها، أ ه، لا) \ لوموت.. لوجفي كبر للموت.).
استخدامات الشاعر للريح تنتقل عبر المقطعين في توظيف مقصود ليدخل صوتاً آخر الا وهو(الصفير) الذي ما أن ينتهي منه حتى يبدأ الصراع :
(كل نجمة ببرجها اتطيح\ وظل سر الغزير ايصيح\ يا (فير).. تتلاگه الزنود وشو ف ياهو أيطيح).
ولأنه الشاعر المولع بنبش التاريخ الذي لامناص منه وعبر التقاطته لموضوعة سفينة نوح واستثماره لدلالات النص القرآني:
(ونوح المضيع السفينه البيهه غرگان البحر\ ونوح المبوب الصريفه بگصبة آه\ ونور مستاحش غربته أبنص ضواه\ ون… والقلم.. ومايسطرون \ وعايشه الطيره اعله كل لكط الظنون)
لم يدع الشاعر موضوعة قصيدته – الطيره – للتحليق الذي هو وظيفتها المعروفة بها وبدلالتها كرمز للسلام الا ويمنحها تحولاتها في فضاء متسع يشهد تحولات مناخية وسياسية وعبر انتقالات عدة يصل بها لموضع الوجع – كرمز لقمعها-:
(الدنيه لو غنت حزنهه\ بصهلة كحيله لرسنهه\ او جرة الغيمة لمزنهه\ اوشرة الهوسه للسنهه\ وعگدة الضحكة أعله سنهه (ها.. ها.. ها، آه.. آه..آه)\ الدنيه مني.. وآنه منهه).
هذه التجربة كان بامكان شاعرها أن يعقبها بمحاولات أخرى من شأنها أن تؤسس لوناً غرائبياً يضاف لتحولات القصيدة العامية العراقية ولربما حالت حياته الخاصة دون ذلك التي انتهت به للتنقل بين جبال كردستان – مقاتلاً بوجه النظام الصدامي وصولاً لحياة المنافي القاسية قبيل عودته للعراق بعد 2003، ولربما سيبهرنا بما هو جديد.









