ثقافة شعبية

"هذا التراب المر .. حبيبي" قصائد مشتعلة بالاحتجاج والغضب

ثامر الحاج امين

   

عندما تستعرض تاريخ تجربة ابداعية، وتكتشف قدرتها على التواصل بالعطاء المميز في ظروف مختلفة وثباتها على ذات الخطى والمواقف التي انطلقت منها ونسجت خيمتها الإبداعية، فهذا مؤشر على أصالة هذه التجربة، وصلابة الأسس التي تقف عليها وتديم حضورها في المشهد الإبداعي، فمنذ مطلع السبعينيات وأنا قريب من تجربة الشاعر “علي الشباني” ومتابع لعطائها ودورها الريادي في حركة الشعر الشعبي العراقي، فقد وجدت فيها مشروعاً مخلصاً للنهوض بالقصيدة الشعبية الى المستوى الذي يليق بها كرافد من نهر الثقافة العراقية.

وهذا ما يؤكده ديوانه الجديـــد “هذا التراب المر.. حبيبي” الصادر مؤخرا عن دار الرواد والذي قدم ّ له القاص “سلام إبراهيم” حيث تلمس عبر أكثر من عشرين قصيدة ضمها الديوان أصالة هذا الصوت الشعري الذي شكلّ مع أسماء قليلة مدرسة شعرية كانت امتدادا لتجربة النواب الكبير. فهي قصائد مشغولة بهموم الإنسان ومنحازة إليه في صراعه ضد مستغليه، مؤكدة ذلك من خلال التحريض على مواجهة القوى التي تحاول النيل من حريته وكرامته:

ياماي الجبل يمته تفيض الهور

ياهور الشعب، يمته الكََصب يزعل

مو دم الشرف ساح وهدم الأسوار

مو وسع المقابر جزعّ الأسوار

مو ساحت نذالتهم على الأفكار

ولا يكتفي بهذا الخطاب المشحون بالغضب، بل يحاول أيضا استنفار همم الشرفاء من خلال استحضار صور التاريخ العراقي المشرق والتغني بمآثر شعبه وقيمه النبيلة:

يا شعب الشهادات المشت نشوانه بالنيشان

يتقدسّ ترابك … ياوطن … يندار

تسجد للعذاب البيك … وتصلي

ويزود العالم بحزنك نبض يغلي

وعن لجوء “الشباني” في الكثير من اشعاره الى توظيف رموز المثيلوجيا الشعبية والى رموز شيعية اخرى مثل “الحسين” و”صاحب الزمان” الذي اتخذ منهما رمزين للثورة والخلاص فان استخدام هذه الرموز جاء للتورية، ووسيلة  للتخلص من رقابة السلطة، فهي لم ترتبط بواقعة او بحكاية محددة انما هي تعبير عن هم فردي، ولا أتفق مع ما جاء في المقدمة من انه لجأ اليها بسبب (اليأس من اليسار الضعيف الفعالية)، ذلك ان جل قصائده التي وظف فيها هذه الرموز قد كتبها في مرحلة مبكرة من نضوجه السياسي والفكري والشعري، وهو ما تؤكده قصائده المبكرة ومنها قصيدة “صاحب الزمان” التي كتبها في اواخر الستينيات:

(ياصاحب) بچت مهضومة كل دنياك

واتعناك

يالتغسل دهر يمناك

ياسورة غضب ماجاي شيلة راس

ياصبر المسيح وشيمة العباس

ياسيف اليصفي الناس … من الناس

لقد ظل “الشباني” رغم الانكسارات، شاعرًا مخلصاً لأفكاره، متوردا بالأمل واليقين من صواب مسيرته وقناعاته، يجسد ذلك بوضوح في منلوج تحكيه قصيدة (هموم عراقية):

يالتعب بيك البحر .. مامش جرف لليل

يلمشت كل المنايا لصوبك المهيوب .. وانت

دارت الـچيلات بحزامك خرز

وأنت بالشدات حيل اتدورها

الك بالثورات غيرة محزمة، وللناس ليل ابخورها

وكيف له ان يشطب على تاريخه وتجربته النضالية المريرة، المطرزة بالصمود والاٍباء والعذابات ويتركها لنهش الشامتين، وهو كثير ما تغنى بها (يالممشاك كل خطوة مسارات … وصبر ليل انترس بيبان)، فها هو في قصيدة (قهر) يؤكد اعتزازه وهديه بنور ذلك السِفرْ الطويل:

ظل ضاوي

ظل ضاوي يعمري بكثر ما يضويك ذاك الراي

ظل راوي حبيبي بكثر مايرويك نفس الماي

وفي قصيدة ” ليل التتر” التي تعد واحدة من أهم قصائد الديوان لما فيها من ثراء وتنوع في الصورة الشعرية اضافة الى جرأة واضحة، استطاع الشاعر ان يشيع في نفس القارئ حالة من السخط على مايراه من مأساة عاشها الانسان العراقي في ظل انظمة القمع، فهي بانوراما صورت واقع الحياة العراقية أبان حرب الثمانينيات حيث ترى فيها حجم السقوط الاخلاقي والسياسي للطبقة الحاكمة:

موتك يالعراقي .. البيه طعم .. ومبادل الدولار

موتك حطب، حتى النار

تسري بكل زرع مبخوت

جيش من الكلاب السود، شو رايتهم الدولار

وانت تموت ..

بس كون الخليفة يدوم

ليله وعسكره المسموم

كما يصورّ في هذه البانوراما العراقية التردي الذي صار عليه الواقع الثقافي بسبب خيانة البعض ممن يحسبون على الثقافة لرسالتهم وتهافتهم على العطايا والمكرمات التي كانت السلطة تشتري بها الذمم والولاءات:

يصعد عالمنصة الوسخة نص شاعر بطول نعال

يركَص للدراهم حيل

يطحن بحضن الخليفة .. وتنزل اشعاره تبن

واسعار الذمم تلفانه .. بسنين الحروب الوسخة

وانصاف الزلم تترادس بلا ساس

منخل شيخهم، من كثر مابيه عيب

ويستمر صوت الغضب يهدر في اكثر من قصيدة من قصائد الديوان، غضب لم يكن وراءه موقف ذاتي، بل اصطفاف وتضامن مع كل ضحايا القهر والاستبداد، فالشاعر ينظر حوله فلا يرى الاّ الموت والخراب وهو يهتك بالبشر والحجر:

بولايه تزغر كل صبح …

بيها البشر عودان .. يبست بالجذر

تابوت كل شارع …

شمس مصلوبة.. ومهدلة الزلوف الظهر

والحيطان باحزان الكتابات الحزينه تطول…

كل شارع رمح … من تمشي يتلكَاك

وفي قصيدة “قهر” يطل علينا وجه آخر للشاعر، وجه يجسد حالة الانكسار بكل ماتحمله من حزن وهزيمة، وكأنه بهذه الاطلالة اراد ان يعرض قبح من تسبب بهذا الألم، واحتجاج بوجه من أساء لجمال الروح ونقائها:

شسولف من لذت بالليل

شفت الذله تمشي وياي

تشرب بالعطش وياي

بالنوم وحلمها وياي

صحت ياناس ولكم هاي

فرس مجنون داستني بحوافرها…

ومشت بيّ تطوف بكل ميادين القهر .. والخوف

ولكن رغم هذا الحصار وتلاحق الخيبات، نرى الشاعر لايستسلم ولايهرب ذليلاً الى الضفة الاخرى، انما يجد الخلاص من ذلك في استحضار من هو قادرعلى اضاءة ظلمة ايامه، فهو في قصيدة “سماء… سماء” يناجي الحبيبة ان تطل بوجهها لتروي ظمأ القلب:

مري يحبيبه الشته يدكَـ باب روحي

ومالي حيل ويه السفر تكَضي السوالف

وانتٍ باول زخه.. نجمه زغيرة نزلت بالسوالف

لقد أكد علي الشباني في ديوانه الجديد 

انه نخلة عراقية لا تكف عن العطاء، نذر 

نفسه بمحبة (احط روحي نهر واكَعد جرف للناس) ولايزال نهرا متدفقا بالعطاء والابداع وجرفاً يمنح شاطئ الشعر الخضرة والجمال.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان