ثقافة شعبية

رمضان الكريم في ذاكرة المجر الكبير

 علي العقابي

 

رمضان المبارك، يلقي بألوانه على كل جوانب الحياة، وقد تختلف عادات الاحتفال به من بلد الى آخر، ولكنها كلها تتفق في اللمحات و النفحات الروحية التي تتدفق على جميع جوانب الحياة. ويستهل العراقيون عامة والمجريون خاصة طقوس شهر رمضان المبارك، بالتسوق من سوق السراي وسوق البدراوي قبل ان تنتشر هذه الاسواق الكثيرة الان في القضاء، وفي هذه الأسواق تجد العائلة المجراوية التي توارثت التبضع منهما في شهر رمضان وفي بقية المناسبات السعيدة والمناسبات الدينية، كل ما يريدون من توابل وفواكه مجففة وصابون وأغذية وشموع ولوازم البيت. ويتهيأ الكثيرون منهم في نهاية اخر يوم من شهر شعبان الحضور على شاطئ نهر المجر الكبير بالقرب من دكان الحاج جاسم فليح الدهان رحمه الله قبالة بستان بيت ربيح الوارف بنخيله لاعتقادهم انها افضل منطقة يمكن رؤية الهلال منها. وبعد انتهاء صلاة المغرب والعشاء يهرع الناس الى بيت وحسينية بيت السادة الحلو رحمهم الله حيث كان يستقبلهم المرحوم السيد محمد ثم ولده السيد يحيي الحلو لتبدأ بعدها شهادة الذين شاهدوا الهلال بوضوح وبالعين المجردة امام السيد، بعد القسم على كتاب الله( القران الكريم) ولا تقبل شهادة إلا الرجال المشهود لهم بالصدق والورع والتقوى وعدم الانحراف وليس من اصحاب السوابق المخلة وبعض المهن التي يشتهر اصحابها بالقسم المتكرر والدائم من اجل بيع ما في ايديهم. ويُثّبتْ عدد الذين قبلت شهادتهم ويبدأ السيد بالاتصال بالتلفون الارضي الوحيد(ابو الفر) الموجود في الحسينية بالمرجعية العليا في النجف الأشرف، وفي حالة اكتمال العدد الى 40 شاهدا كامل الأهلية يعلن ان يوم غد اول ايام رمضان او اكمال عدة لشهر شعبان، لتعم الأفراح القضاء وأهله بالزغاريد والهلاهيل والتسبيح والتحميد،وبعد أذان المغرب يكون الافطار في المنازل فيفطر الصائم على حبة تمر وقدح من اللبن ويصلي، وهناك قسم آخر يتناول إفطاره ويؤدي بعد ذلك الصلاة، وبعد الانتهاء من الصلاة يتم تناول الحلويات وهي عبارة عن البقلاوة – الزلابية – الشعرية – الداطلي وغيرها التي كان يبيعها واشتهر بها بيت مجيد الشكرجي وبالاخص اولاده احمد ومحمد والمرحوم ياسين نحيش والمرحومين موحان ومزيد فهد وجبار ابو ستار الذي اشتهر بصناعة الداطلي الطويل المخمر. ومن المظاهر المميزة ايضا هناك هريسة الحاج فارس السوداني الطيبة، بعد ان يوضع الدارسين والدهن والسكر عليها، وتباع بقدور واوان صغيرة وكذلك يتم تحضيرها في البيوت وتوزع على الجيران والأصدقاء، وللكبة المقلية والمسلوقة ميزة اخرى من يد المرحومين حميدي وحسين وفشافيش المرحوم كاظم حسن. واما الثلج الذي كان له حضور مميز وضروري فقد كان الرجال يشترون نصف قالب او ربع قالب بعد ان يشق اخدودا فيه بحمل لانعدام وقلة الثلاجات والمجمدات, وتستمر الزيارات بين الأهل والأصدقاء ثم تبدأ السهرة حتى وقت متأخر حتى يعلن المسحراتي (ابو طبيله) المرحوم لعيبي الأسدي وهو يجول الازقة والمحلات في محلة السراي ضاربا على تنكه صغيرة معلقة برقبته وهو ينادي سحووور ياصايم …وفي محلة البدراوي كان هناك المرحوم لفته او لفيته الأعمي الذي يقوده بعض اولاد المحلة في محلة البدراوي وإذا اردت ان تختبر احدهم انه من اهل المدينة القدماء اسأله عن احدهما ،فإن لم يعرفهما فهو ليس من سكنة المدينة القدماء. وتمارس في الأحياء الشعبية والمقاهي ايضا بعض الألعاب الرمضانية مثل لعبة المحيبس والفناجين. ولعبة المحيبس هي عبارة عن فريقين يتباريان ويوضع المحيبس وهو (خاتم) احدهم ويكون مميزا تفريقا من اللبس والاشتباه، في يد أحد الفريقين بعد ان يحصل الفريق الذي يعطي المحبس للفريق الخصم على عدة نقاط قد تكون اثنتين او اكثر حسب الاتفاق والموافقة بينهما ويغطى الفريق الذي لديه المحبس ببطانية او شرشف او غطوة من الصوف او عباءة احدى النساء ويقوم الفريق الأخر بمحاولة معرفة مكان الخاتم في يد الفريق المتسابق .ومن  اشهر لاعبي المحيبس في القضاء قديما منهم (المرحوم الحاج حسن حسين الموسى والحاج راضي والمرحوم الحاج علي دبخ والمرحوم عبود درويش والمرحوم الحاج عبد علي الشاوي والحاج خضير عباس الرضا والأستاذ عبد الامير سلمان الحمد والمرحوم ثامر القصاب والمرحوم عمار كمونة وغيرهم سابحث عنهم) وكانت تمتد الى اوقات متأخرة من الليل احيانا وتكون عادة اما مباراة واحدة او تكون على شكل بطولة لعدة فرق يتوج في اواخر رمضان الفائز بها باحتفالات جميلة وتكون المنافسة شديدة نتيجة الانتماء الى المحلات ومنها السراي والبدراوي، ويكون الفائز من حصل على النقاط التي تحدد دائما بـ21 نقطة والفريق الخاسر يحضر صواني الحلويات الزلابية والبقلاوة للفريق الفائز ومشجعيه وتصاحب اللعبة الهوسات وترديد بعض اللزمات الغنائية والتصفيق وكل لاعب عليه مدّ يديه المقفلتين ورفع رأسه إلى الأعلى فيما يقوم رئيس الفريق المقابل بقراءة معالم وجهه ومدى اتزانه ويقرر ان كان حاملا بيديه المحيبس او يقول له بصوت عال اطلق اليسار او اليمين وحينما يخطأ رئيس الفريق يصيح الذي بيده المحبس( بااااااااات.. فاتك المحبس) مع تصاعد صيحات التشجيع وكذلك لعبة الفنجان وهي عبارة عن صينية مدورة توضع عليها فناجين القهوة ويوضع في احداها حبة صغيرة ومن يعرف الفنجان الذي توجد فيه الحبة يكون هو الفائز اما البنات والنساء فطقوسهن خاصة هي الحضور الى المجالس التي تقيمها الملايات انذاك في السراي والبدراوي ومن اشهر المجالس النسائية هي مجلس العلوية رحمه عند بيت سيد محمد الحلو والمله عذيه وبنتها المله قمرية بيت الحاج عبد الحسين والحاج عبد الزهرة الزبيدي وكذلك هناك مجالس نسائية تقام عند ال كمونة في بيت محسن مالك وتقوم النساء بالزيارة والمسامرة بين الجيران والاقرباء على مدار الشهر وترافق طيلة شهر رمضان الاماسي والمحاضرات الدينية التي كانت تقام في سوق المجر الكبير وسوق البدراوي بعد ان تفرش ارضيتهما بـ( البواري وبعض البسط التي ترش من العصر بالماء وتهيأ بعد ان يوضع المنبر على ظهر جدار مسجد السراي وتستمر لشهر كامل بعد ان يتفق المنظمون مع خطيب من النجف الاشرف او كربلاء يلقي محاضراتها في الدين والعقائد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذكر التراجم والقصص التي تحث الناس على الخير والمواعظ وقد حضر الى المجر الكبير الكثير من اشهر الخطباء منهم (سيد حسن القبانجي والشيخ رحيم الصيمري والسيد رحيم الشوكي وفي الاربعينيات والخمسينيات كان المرحوم الوائلي والشيخ باقر والشيخ عبد الجبار وغيرهم) وكذلك تكون هناك محاضرات ليلا في بعض بيوت الوجهاء والميسورين يقدمون فيها الحلوى والشراب والفواكه احيانا للحاضرين مثل ديوانية الحاج الوجيه إبراهيم الجبير والحاج رحيمة العبود والحاج حسن حسين الموسى وبيت الحاج محسن كمونه وبيت سالم الخفي وبيت الحاج سلمان الشاوي وبيت الحاج علوان الزبيدي رحمهم الله.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان