حسام السراي
* إشتغال المجموعة المجددة في القصيدة العامية،هل جاء لمجرد هجرة أساليب خطابية قديمة أم إنه انطلق من عقيدة إبداعية؟
ـ برأيي إن المبدع الحقيقي المسكون بفكرة البحث الدائم والذي يشتغل على موضوعة التجديد في العمل الإبداعي لا يستعير أساليب قديمة مهما كانت جدتها في أوان خلقها،بل يجب أن تكون لديه مسافة للمعاينة تمنحه القدرة على النقد لكل ما أنجز سابقا،فالمبدع ينبغي أن يتوفر على وعي دقيق وشامل لماهية وشروط العمل الإبداعي وعلاقته بالعصر وبالمتغيرات الحاصلة،والشاعر أكثر الكائنات تغيرا….. إنه كالحية التي تبدل جلدها كي تبقى على قيد الحياة،ومنه ينبغي أن ننظر إلى الشعر وأساليبه وطرق تعبيره ورؤاه التي أسميتها عقيدة إبداعية للاستفادة من الجماليات والفتوحات العالية الرحبة في المنجز السابق مع التخلص من هيمنته عليك مهما كانت درجة إبداعيته،والمجموعة المجددة في العامية العراقية بعد مظفر النواب،متجاوزا التكلم هنا عن زمن وإبداع الحاج زاير أو فدعة،هي المجموعة التي شكلت محاولاتها قفزة رائعة في هذا المجال،وهي جيل من المثقفين أعطى دفعة كبيرة لحركة وتطور الشعر الشعبي العراقي،أذكر على سبيل المثال لا الحصر طارق ياسين،علي الشباني،ابوسرحان، كاظم الركابي،حامد العبيدي،عزيز السماوي،يعرب الزبيدي،كريم حمد،جيل وسّع من أفق العبارة العامية وجعلها تنفتح على مشكلات إنسان المدينة،وقلقه وأزمات عصره المتجددة،هكذا تأتى للعامية العراقية أن تشتغل في مساحة جديدة غير مأهولة سابقا،بعد ذلك جاء جيل السبعينيات ومنه رحيم الغالبي،كاظم غيلان،جبار الحمداني،غازي ثجيل،كامل الركابي،هاشم العقابي،فالح الدراجي،ريسان الخزعلي،كريم العماري،وأسماء أخرى كثيرة،أما جيل الثمانينات والتسعينيات،فأن له أشياء جميلة كثيرة تشير إلى المستقبل وتوعد به،رغم إن حضور القديم واضح لديه (خطاب المدح والذم والفخر)،والذي يفترض أن تتجاوزه القصيدة منذ عقود،ومع صحة وجود هذا الثقل وهذه الكثافة غير الإبداعية في قصائد هذين الجيلين،إلا أن هناك أصواتا جديدة جميلة،منها عمر السراي،عامر عاصي،طارق حسين،صباح الهلالي،علي الربيعي،حمزة الحلفي،جليل صبيح،وعماد المطاريحي وعباس الموسوي،وعموما فإن اختلاف هذه الأجيال الشعرية يؤكد أن الأساليب الإبداعية لا تستعار وإنما على المبدع الإصغاء لحركة عصره المتغيرة على الدوام.
* هناك حماسة بإيقاع صارخ صارت ملاصقة للشعرية العامية العراقية،وتخلت عن البنية الفكرية أحيانا كثيرة لصالح ما أشير اليه،فمالذي تقوله في ذلك؟
– الإيقاع هو روح العمل،والعالم الواسع الذي تتحرك به مكونات وعلاقات العمل الإبداعي ونسيجه النهائي والإيقاع يمثل هوية الشاعر،و يختلف من شاعر إلى أخر، السياب إيقاعه يختلف عن البياتي،والبياتي إيقاعه يختلف عن سعدي يوسف،وسعدي يختلف عن علي الجندي وانسي الحاج،وهم يختلفون عن محمود درويش. إن الايقاع شغل داخلي على الأعماق،وفي الاعماق حيث المركز الحي للكائن الذي يعد مشتركا كونيا بين البشر والموجودات جميعها تتجسد فيه وحدة الوجود،من هنا فان الشاعرهوالأقرب الى الصوفية في تجلياتها الأولى “طربا ونشوة وسكرا دائما بالكون”،الإيقاع له ألوانه وروائحه وتأملاته الهائلة التي تأخذ الإنسان إلى الصمت الكلي والمحو المطلق،أما الحماس فانه شغل يتجه للخارج،إنه صراخ منشغل بالوجود البرانى ويريد إيقاظه…. شغل الإبداع على العالم الداخلي،وببناء هذا العالم بشكل رائع،يبنى الخارج بشكل رائع أيضا وللأسف كانت مصائر العراق وحظوظه-بابنائه ومبدعيه- سيئة عندما قفزت إلى السلطة عام 1968 مجموعة من أبناء الشوارع والأميين،وبتخطيط محكم من زمن المشروع الإستشراقي للغرب المتوجه لتدمير الشرق،ففي عام1979 وبعدها اخذ صدام البلد إلى حروب ومجازر وسجون ومآس لم تمر سابقا،فحاول خلق فوضى خلاقة قبل الأميركيين،لذا وجدنا أناسا لايمتلكون شهادة إعدادية أو ثانوية،يحصلون على الماجستير والدكتوراه،وأعداد لاتحصى من الشعراء والفنانين يعصفون بالذائقة العامة،وضمن هذه الفوضى الخلاقة فأن أجمل مادمر في العراق هو الإبداع ومن ضمنه العامية العراقية،حيث خلقت جوقات من الشتامين والطبالين والمداحين والمهاويل،وبعض هؤلاء أنتقل الآن من مدح صدام الى مدح الحسين (ع)،فأصوات الإيقاع الصارخ للحرب والمدافع والطائرات والقتل و صراخ المعذبين من داخل المعتقلات والسجون،كان لابد أن يقابلها إيقاع صارخ في الشعر لتضيع الحقيقة، لذا خلق النظام المباد معادلا موضوعيا شوه الإبداع برمته وحوله إلى آلة للأذى،لكن لم يدخل الجميع في هذا الخندق المظلم، فتوجدا سماء بقيت صامتة في الثمانينيات والتسعينيات ولهم موقف رائع،منهم علي الشباني،كاظم الركابي،حامد العبيدي،ريسان الخزعلي، كاظم غيلان، رحيم الغالبي،سعد صبحي السماوي، فاضل السعيدي،هاشم العقابي،يعرب الزبيدي،الذي مات صامتا،أيضا صاحب الضويري،وعريان السيد خلف الذي قاوم فترات طويلة جدا، كثيرون لم تستهويهم لعبة الصراخ والحماس و التفكير فقط بكيفية إثارة التصفيق لدى الجمهور،مما ادى إلى ضيق في العبارة و النظرة،أساء كثيرا للقصيدة ولشاعرها على حد سواء، وللحياة التي صارت ضيقة بسبب هذه القصائد أيضا.
* أتراه ممكنا أن ننزع عن الأذن العراقية قالب سماعها للمديح والتطبيل باتجاه الفكرة التي تدغدغ الأذهان؟
– المتلقي هذا المشارك الأصيل في إبداع العمل الفني أيا كان نوعه،ولحظة التلقي فيها إشراق قادم من مساحات روحية عميقة،لذا فالإبداع بدون متلق يشارك في إضاءة مستويات النص كأنه شيئا لم يكن،فنحن بحاجة إلى متلق جديد يساهم في نقد العمل الذي يسمعه،لا المتلق الذي ينتظر الصراخ ليتحقق هيجانه، إنما المتلقي الذي هو في حالة تأمل مستمر وخلق دائم للذة النص،عبر تأمله هذا وما يخلقه،نبتعد عن الأطر القديمة التي تقتل الفكرة وتسطح الجمهور.
*لكن ألا تتصور أن بعض التجارب الحالية عادت بنا إلى ظواهر الاحتفال الإنشادي الفارغة وابتعدنا مرة أخرى عن منطقة إيصال الذات الواعية في مناخ القصيدة العامية؟
– الإنشاد في الشعر ظاهرة قديمة،لأن الشعر بالأساس هو ابن أول للكون ينطلق من روح بدائية وثنية لها علاقة بالأسرار وبالغامض الذي يكتنفه الوجود وبالجوهر العميق في الحياة، منه يأتي منشدا، فالمتنبي منشد وأدونيس ومحمود درويش ومظفر النواب وعلي الجندي أيضا، ذلك إن الظواهر الإبداعية الكبرى تحتفي بالكون والوجود والإنسان،والإحتفاء هذا يعبر عن نفسه بالإنشاد،لأنه تأمل وطرب وحب دائم للحياة،لكن ماتقصده أنت في الإنشاد وكما أظن…الصوت العالي المفرغ من التأمل المنتمي إلى تقاليد الإثارة البرانية الرامية لاستدراج المتلقي للتصفيق والهيجان الذي يشبه انبجاس الغريزة،في جو من الغيبوبة تنعدم فيها أهم شروط التلقي،التي تجعل من المتلقي مشاركا أصيلا وكاتبا ثانيا للنص الأول،هذا الجدل المستمر والتناغم الدائم بين المبدع الأول والمبدع الثاني (الشاعر-المتلقي) هو ما ميّز مسيرة العامية العراقية التي تآمر عليها النظام البائد،فحولها من فضاء خلاق لابتكار الجمال ولإبداع الحياة والمستقبل إلى زنزانة ضيقة خانقة تسمع فيها صرخات المعذبين، وما نشهده اليوم من طغيان للامية والمدرسية و استعادة وتكرار أشكال الكتابة القديمة وما يرافقها من زعيق،ما هو إلا أحد نتائج المرحلة البائدة،التي رسخت قيمها الثقافية المتخلفة المرحلة الحالية،وما سبق لا ينفي وجود أصوات شابة موهوبة-تحدثنا عنها-تحاول التمرد على هذه المعطيات المؤسفة…كم أتمنى أن تتوحد حركة نقدية تساعد في إضاءة خطوات هؤلاء الموهوبين وتعين العامية العراقية على استعادة توثبها وألقها وحيويتها وإبداعها الأول.
* النجومية التي يكتسبها الشاعر الفصيح تفوق إن اتفقت معنا مايحصل عليه الشاعر الشعبي،هلا وجدت في ذلك علاقة بطبيعة القصيدة الفصحى من حيث الرؤية الأعمق واللغة الصافية ومجالات التحديث التي طرأت على شكلها؟
– الشاعر الحقيقي بالأساس لايفكر بالنجومية،قد يفكر بخسارة هائلة تعصف بحياته مقابل أن يكسب عالمه الداخلي ونفسه،فالشاعر معني بالبعيد والمستقبل برغم إنه ابن اللحظة التي يعيشها،فلايمكن أن يصبح شاعرا إن لم ينتمِ لعذابات وآلام وأعراس وعشق زمنه والوطن الذي يعيش فيه،ويجب أن تفوح منه رائحة رغيف الخبز والخضرة والظل والطريق والتراب،ومتى ما حمل هذه الأشياء في داخله بصدق،سينتمي إلى فكرة تلوح في الأفق وتشير إلى المستقبل الذي يليق بناسه.اللغة الفصحى أمنا،والقصيدة المنبثقة عنها هي الحاضنة الأعظم لفكرنا ورؤانا ومن دونها نكون في ضياع،فاللغة لا تعني فقط إيصال أفكار،إنها فضاء للخلق والإبداع والثورة المتواصلة وطريقة حياة تساهم أنت في خلقها،فتعود لتخلقك مرة أخرى،حتى تتكون هنا حالة جدل لاتنقطع،الخالق يتحول الى مخلوق والأخير يتحول الى خالق،بعض الشعراء يفكر بطريقة تبعث على السخرية،فما دام شاعرا يكتب بالعامية وتصفق له الناس،فهو أفضل من أقرانه الذين يكتبون بالفصيح. نحن تربينا وتعلمنا ونشأنا في سماء الفصحى وما كتب بها من فكر وفلسفة وأداب وعلوم،وعلى الشاعر العامي أن يعي ذلك بأن ما أنتج بالفصحى على مر العصور،يمثل المجال الكبير الذي يمكن ان يطور من خلاله نفسه وأدواته،واللغة الفصحى أخيرا هي الشمس والقمر والنجوم التي نحن لها ساجدون.









