ثقافة شعبية

شعر العامية العراقية والموقف الأكاديمي. . ثنائية القطيعة والإجحاف

كاظم غيلان

 

ألقت العلاقة غير المتكافئة إن لم تكن السلبية بين المؤسسة- الحكومة- والثقافة العراقية بظلالها على مجمل تفرعات هذه الثقافة وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود ضاجة بتوترات واجراءات قامعة، فيها من القسوة ما لايطاق بما فيها العمل على تشريد أعداد كبيرة من مثقفي وفناني العراق باتجاه المنافي القسرية ، ولعل في شواهد قبور خيرة رموز هذه الثقافة التي رقدت ارواحها هناك خير مثال كما في قبور(الجواهري، البياتي، هادي العلوي، شمران الياسري(أبو كاطع) ، سيف الدين ولائي، مصطفى جمال الدين… والخ) .

لم تكن تلك العلاقة بمجملها قد تأسست على وفق مفاهيم مرتبطة بجوهر الثقافة النبيل والجمالي بقدر ماهي انعكاس لمنظومة عقلية النظام الشمولي ، ولعلها ذات العلاقة في مجمل البلدان التي تحكمها الأنظمة الشمولية، الا أن نهاية هكذا نظام وتلاشي مؤسساته ينبغي أن تؤسس وعلى انقاضها أنظمة من العلاقات الجوهرية التي من شأنها اعادة ترتيب مشهدنا الثقافي الذي ألحقت به العديد من التشوهات ، لكن المؤلم جداً أن الحال بقي كما هو عليه من حيف، لاسيما مع شعر العامية العراقية بشكل خاص. قبل أعوام ليست ببعيدة كتبت عموداً في ملحق( ثقافة شعبية) الذي يصدر عن جريدة الصباح  وكنت أحد محرريه تحت عنوان(نحن والأكاديمية) على خلفية نيل الصديق( احسان العجلان) شهادة الماجستير عن دراسته التي تناولت تجربة شاعرنا الكبير مظفرالنواب ولعلها أول دراسة خرجت من معطف الأكاديمية العراقية بعد سقوط نظام صدام وتحديداً عن جامعة ذي قار، لكن المشكلة أن الدراسة وبرغم أهميتها وجهد باحثها الكبير أغفلت مايتعلق بشعر النواب المكتوب بالعامية مكتفية بتجربته في شعره المكتوب بالفصحى ووفقاً والتزاماً بما يمليه قانون الحفاظ على سلامة اللغة العربية سيء الصيت والمشرع والصادر أواخر سبعينيات القرن الماضي من قبل حكومة النظام المنهار، إلا أن العمل به لم يزل نافذاً حاله حال معظم قوانين وقرارات مجلس قيادة الثورة(المنحل)! إن معظم الأصدقاء والصديقات اتصلوا بي شخصياً يكملون دراساتهم العليا في العراق صادفتهم ذات تجربة العجلان ، بينما أحدهم يكملها الآن بالجامعة اللبنانية متناولا تجربة النواب في شعره العامي. أعود للحساسية التي ابتدأت الحديث عنها، فهي سياسية بحتة تعود أبرز أسبابها الى  ثقل اليسار العراقي من خلال شعراء بارزين في مساحة شعر العامية وفي مقدمتهم مظفر النواب وهكذا فالقانون المذكور والذي بقي ساريا مفعوله للحظة هذه لامسوغ له سوى الحساسية السياسية ولاغير. ان استمرار هذا للإصرار العجيب الذي لم تتنازل عنه المؤسسة بشقيها الحكومي ممثلاً بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي يعكس نظرة لاتخلو من التعالي والفوقية المتزمتة تجاه شعر العامية العراقية وهذا يتعارض والأسس التي قام عليها التغيير الذي شهده العراق في التاسع من نيسان 2003 من جانب ومن قبل الجهات التشريعية التي تملي عليها المسؤولية التاريخية تلافي هذه العيوب من جانب اخر والتي هي عبارة عن تركات غاية في الدونية.

ان العمل على الغاء تلك القوانين والتشريعات التي أسس لها نظام حكم شمولي ناصب الحقد والعداء الأعمى لكل ماهو جميل، ولعل الثقافة في مقدمته بات واجباً ملزما على الجهات المعنية لاسيما وأنها كانت في مواجهة لمن لن ينظروا الى وطن الا وأن يكون مشيداً بـ( الجماجم والدم). هذا لايعني التعميم في كل الأحوال فقد كان لعدد من الأكاديميين العراقيين مواقف لابد من ذكرها هنا والتي اتسمت بايجابيتها وانصافها حتى تكاد تكون معارضة لذلك الموقف المؤسساتي السلبي تجاه شعر العامية العراقية، ولعل من أبرز هؤلاء الناقد الدكتور ضياء خضير، فقد أدلى ذات يوم بتصريح صحفي سارعت لنشره وقتها في صفحة(شعبيات) التي كنت أقوم بتحريرها في صحيفة(ألوان) الفنية الأسبوعية والتي كان يديرها الصديق الكاتب علي حسين ووضعت له عنواناً بارزا ( أستاذ جامعي يدعو لدراسة الشعر الشعبي جامعيا!) ونشر تحديداً بالعدد(49) الصادر في الثالث من تشرين الأول العام 1998 وكان حينها هذا الناقد المنصف والكفوء والحاصل على شهادته من جامعة باريس يشغل وقت تصريحه الشجاع مهمته الأكاديمية بصفته أستاذ مادة النقد والأدب المقارن في كلية الاداب جامعة بغداد وضمن ماجاء في تصريحه كانت اشارته الى دعوة سابقة ضمن مقالة نشرها في مجلة(التراث الشعبي) العريقة ودعا فيها الى ( أن تدخل دراسة هذا الشعر وفحصه وتقويمه ضمن فروع بعض الجامعات بوصفه نوعاً من الأدب الشعبي الذي يمثل القاعدة التي ينطلق منها كثير من أدبنا الرسمي أو الفصيح وهي دعوة لاصلة لها بموضوع الحفاظ على لغتنا العربية الجميلة وسلامتها ومايقال بأن ذلك خاص بفروع وأقسام الاجتماع في الجامعة أمر غير صحيح لسبب بسيط هو ان المقصود ليس الدلالات والمضامين الاجتماعية وحدها وإنما صور التعبير وطرائقه المختلفة، ولعل وجود قسم الأدب الشعبي في جامعة القاهرة وبعض الجامعات المصرية الأخرى، فضلا عن الجامعات الأوربية التي تهتم بالأدب الشعبي والثقافة الشعبية اهتماما كبيرا مثال على مانقول)- هذا نص مقتطع من التصريح والذي احتفظ به للحظة هذه- . أن العلاقة المرتبكة والمتشنجة بين المؤسسة وشعر العامية العراقية ومن خلال نماذجه المبدعة الكبيرة يجب أن تنتهي كما انتهى النظام الذي تبنى تشريع قانونه المجحف القاضي بحظره وفرض حصاره عليه وأنها لدعوة في تحرك من يعنيهم الأمر لإطلاق حملة بهذا الخصوص ولربما يتحمل العديد من الشعراء المعروفين لاسيما أولئك الذين باتوا ضيوفاً شبه دائميين للعديد من الفضائيات لأن يأخذوا دورهم المسؤول بدلاً من استعراضات الأنا المتضخمة والمنجزات المهنية فلم نكن بحاجة أزاء هكذا مهمة لأي (ابن جلا وطلاع الثنايا).. ولربما سنصل لما يعيد الاعتبار لشعرنا العامي أكاديمياً.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان