سعد صاحب
ما يميز قصائد المجموعة الجديدة ( كضبة ريح ) ، للشاعر عبد السادة العلي ،الصادرة عن مطبعة سفينة النجاة ، الحزن العميق القادم من نهايات العالم ، المليء بالضياع والالم والحروب والرحيل ، وما اقسى ضياع العمر في المتاهات ، وما اصعب الم الروح المتسبب من الغدر والخيانة والوداع ، وما ابشع الحرب التي يلعنها المحارب القديم ، لانها افقدته الصحة والعافية والشباب ، وما اوحش الرحيل دون لقاء او رسالة او موعد قريب . وفي الجانب الاخر تحرك فينا الامل ، الذي يدفعنا ان نقتحم المستحيل ، ونترفع عن البذاءات ، ونختار الموقف المناسب في كل ازمة ، ولا نتخلى عن الكبرياء امام الانذال والطواغيت والبرابرة .
بناء مكتمل
قصيدة الشاعر مكتملة البناء والشكل والجرس والكلمات والصياغة ، انها ستينية راسخة الجذور ، بكل ما تحمل هذه الكلمة من العطاء والتجدد والتجاوز والابداع ، انيقة ومرتبة ومألوفة ، ملأى بالشجن والهم والحيف والغربة ، ورغم اجوائها الحزينة تمدنا بالعزم والقوة والفرح والاصرار والثورة ، تحتفي بالبطولة والمواقف الوطنية والانسانية ، راصدة كل السلبيات الاجتماعية والسياسية في المجتمع . وواضعة الحلول الناجعة لها ،جامعة للكبرياء والعناد والمأساة والتفاخر والذبول ، وهي عميقة لا تخلو من الرمز والمواربة والتمرد واستنطاق الباطن . ليست سطحية مباشرة او سهلة القياد ، تواكب الموت اليومي بكل عذاباته ، وتنتمي للحياة الآمنة السعيدة ، نشم فيها روائح التراث العبقة ، وحافلة بالتجديد والحداثة والاندفاع والتمايز ، وشاعرها يتقن اللعبة، لا يغادر الاوزان لكنه يثلم التفاعيل ، ويباعد ما بين قافية وقافية ، وما بين جرس وجرس ، وما بين معنى ومعنى .
(متشجرة السوالف بيك/ ودروب الحجي البيهه السفر ممنوع / تتنطر جدم جلمه العليهه يفوت / جم دمعه العلى كتارك جزاهه الموت / وجم روجة حزن تحدي / على جروفك حلم غافي / شواطي دموعنه بلا صوت / يا يمته اسد باب الحزن وتفك / شبابيج الفرح بسكوت ).
شاعرية متوهجة
في قصائد الشاعر نجد السرد واضحا ، ليس سردا قصصيا او روائيا او صحفيا او اخباريا ، وانما سرد شعري يفيد القصيدة كثيرا ولا يضرها ، انه يمنحها الشاعرية المتوهجة في كل شطر يكتبه ، فضلا عن فخامة الجملة الشعرية ، وسبكها المحكم الى درجة عالية من الاقتدار والثقة والمعرفة باسرار الكتابة . والعلي صاحب موهبة واضحة ، اثبتها لنا في العديد من القصائد المتفردة ، النافرة من التطبع والتكيف والتأييد ، لا يؤمن بالوظيفة التقليدية للشعر الخاضعة لافكار من يسيطرون على مقاليد الحكم ، سواء في الادب او السياسة او الحياة ، ولا يخضع الى اية سلطة مهما امتلكت من المال والقوة والاغراء والجبروت .
هو بالضد من الانظمة الشعرية الميتة ، الساعية الى جعل الشاعر كائنا آليا محافظا على الرتابة والجمود والانغلاق ، واجباره على تبني الاساليب المستهلكة ، او تحويله الى اداة بائسة ، لاعادة تدوير الكتابات المهلهلة . لم يكن قانعا بالحدود الضئيلة للمخيلة الجامحة ، العابرة لكل لافتة حمراء منصوبة في الطريق ، لاعاقة العداء الذي قطع المسافات الطويلة ، ولم يعد يخشى الاحجار الصلدة المرمية في الدروب الوعرة ، زائحا كل المعارف الزائفة جانبا ، مختارا ما يراه مناسبا لذاته العاشقة ، للسلام والحب والحرية والتطلع والانجاز والنزوع للتفرد والارتقاء . والمبدع الذي يريد ان يحافظ على وجوده ، ويحمي نفسه من النسيان والاندثار ، عليه ان يجرب شتى الاساليب المعلنة والمستترة والغريبة الصادمة ، ولا يعمد الى الطرق الروتينية الجاهزة ، المتسمة بالغباء والتكرار والقهر والاذعان ، حتى وان كانت كتاباته لا تلائم كل جيل ، ولا تنسجم مع رؤى الاخرين .
(زتيتك وحيد وهاجس الحسبات يشربني / ورمل روحي جزيرة / وسفر طيفك خوف / يعصرني الوهم واتطشر ابممشاي / وازرع سجة اجدامك مشاتل اووف / يمطرني غيابك واغرك ابفركاك / والمثلي بعد لساع / بجروحه العتيجة ايروف ).
مهارات جديدة
يعيش الشاعر عبد السادة العلي ، الكثير من حالات القلق الانساني الحميم ، لكنه يسخرها لصالحه باكتساب مهارات جديدة ، تدخل في عملية المقايسة ، والتقييم الشعري الذي اثبت فيه كفاءته بدرجة يحسد عليها ، ونجح في الامتحان بعد مروره بالموت ، ومحاربة الشياطين في الكهوف ، ومواجهة مرايا الساحرات التي تجعل الانسان تمثالا من الحجر . برغم ان فن الكتابة ، بعيد عن التعلم والدراسة وغرابة الالفاظ والمثاقفة والجدل والتعليل ، وقريب جدا من الموهبة والاداء الفطري العفوي ، والابتلاء المفروض على النفس واللعنة الدائمة ، فاذا كان مكتملا يشار لكاتبه بمحبة ، واذا كان قاصرا يهمل وينسى ويضيع . والشاعر المبدع يحول التقوقع الى مشغل حواري ، في موضوعات التعاون والمعرفة والقراءات الواعية للامور ، وقبول النقد وتبادل الاراء ، في لغة متوازنة ونقية وصادقة ، تضمر العديد من الاسرار ولا تعلن الا القليل .
(تبحر روجة الصفنة بشواطي الروح / واطشر مثل ماي اعلى جف مجداف / واظل مثل السمه والريح / مثل الكاع مالي اضفاف / ياجرح الملامه ابيا زمن تنراف / يا يمته الفجر يفتح شبابيج العيون / وتفرع الضحكه على كتاري / ولا شتلة حزن بمروزهن تنشاف / ياهلبت ترد تشهك سنابل فرحة ايامي / الحصدهه ابمنجل السكته الزمن / وبدم خصرهن طاف ).
مصطبة واحدة
نصوص ممتلئة ابداعيا ودلاليا وروحيا وشكليا ، متضافرة في ما بينها حد التداخل ، وللشاعر قدرته الخاصة في صهر التجربة المعاشة ، داخل بنية القصيدة المتخمة بالهم العراقي الثقيل ، والضيم والاوجاع والخوف من الحياة القاسية الشرسة ، الغادرة للكائن المسالم ساعة الصفاء والراحة والحلم والبهجة ، لكن المهم في المسألة السيطرة على الحالة ، وتوظيفها بشكل مقبول ، دون ان تفقد حرارتها ومضمونها ومغزاها الانساني النبيل . جاور الشاعر جميع الازمنة على مصطبة واحدة ، وراح يبث الهموم الحزبية في مناخ ملائم لها ، موظفا الجانب العقائدي والتداعيات النفسية المتشابكة ، من خلال الالم والعصامية والجد والملامة والعتاب ، ثم يطوف بنا في سياحة مرهقة في مركب الذكرى ، فاتحا جرح الذكريات القديم ، عبر ازمنة الجوع والظمأ والزهد والسجن والشدة والشك والشجاعة والشقاء .
( اشمس دنيه احلامي وسواد الليل / بي تشرب نهاراتي / اواكح ريل دمعي بزود / واهجر كل محطاتي / واسافر للنجم سكتة / ابجنح مشتعله بيه الريح / واضوي ابكل مجراتي / وبعد بيه طبع اعصر غيوم اللوم / وامطرها تعب بدروب شماتي / اسد باب الفراغ ومن رماد الشوف / اجمر سجج خطواتي ).
ذات اخرى
اغلب قصائد الشاعر لصيقة بموضوع الحب ، الخالي من الكذب والغايات والتهويل والنفاق ، فهو على الدوام مسكون بذات اخرى ، وشخص يرافقه في كل الاشياء ، انه الآخر المرحب به عند العاشق المستكين ، سواء كان حبيبا حاضرا يراه او غائبا عن العيون ، كأن يكون ميتا او مسافرا في مكان قصي من الارض ، لا يهمه من يكون او الى اي الطبقات ينتمي ، او من اي عرق ودين وحزب وطائفة وقبيلة ، المهم الاشتراك في الصفات والملامح والخلايا ، والاحساس المتبادل بالمشاعر واحترام الكائنات والاقوام والشعوب ، بغض النظر عن الانساب والمواقع الاجتماعية والمكانة والزعامة . وحب الناس والوطن والاصدقاء والحبيبة ، يغرس الطاقات الايجابية في داخل الانسان ، ويزيد من تماسك الافراد اوقات البلاء والمحن والكوارث .
(الج بيه مسافات وسفر وجدام / خطوتها اعلى سجة ريح / الج نهران شوك اتشك بوادي الروح / وتفيض اعلى غابات
الحلم وتسيح / الج شجرة نهاراتي جبيرة شكد / جبيرة بكل كتر مني / اذا تلها الظلام سنين / ما تهجر مدارات الشمس
واطيح ).
المرتبة الأرقى
لم يكن الشاعر عبد السادة العلي ، استعجاليا في كتابة الاشعار لضرورة ما ، او انه يريد انهاء القصيدة بكل طريقة ، حتى وان كانت البدايات والنهايات غير موفقة ، وانما يتريث كثيرا في المواضيع التي يكتبها ، ودائما يحسن الاختيار شكلا ومضمونا وتصويرا ، وفي الهامش نراه كما في الوسط ، كذلك في العنوان والمقدمة والاهداء ، لا يقتنع الا بالمرتبة الارقى ، ولا يرضى الا بالتفرد والسحر والادهاش والامتياز والتكامل.









