ثقافة شعبية

الشعراء الشعبيون في العراق.. بين الدعاية والابداع

 

 

 

 

 

 

 

يُجيد الكثير من العراقيين، قول الشعر الشعبي، وهو كلام موزون، مكتوب باللهجة العامية، كثر وبرز في هذه الفترة تزامنا مع دعم الحشد الشعبي في مقاتلة تنظيم داعش، في ظاهرة ملفتة في الفضائيات، ومواقع التواصل الاجتماعي، والاذاعات العراقية، ما جعل هذه الموهبة الفطرية، تنتشر في المجتمع أكثر من ألوان الابداع الأخرى، مثل الشعر باللغة الفصحى والرسم.

 

يزداد اعداد الشعراء الشعبيين الذين ينظمون القصائد باللهجة المحلية بشكل بارز في العراق، ووظّفت الأحزاب ذلك في الدعاية السياسية، كما ان الحكومة استثمرت الظاهرة، لتعزيز معنويات المقاتلين في الجبهات، واستثمر الشعراء مواهبهم الشعرية في التعبير عن انتمائهم ، والدفاع عن عقائدهم الدينية.

 

 

ويقول الشاعر الشعبي، حيدر الشمري ، ان البعض “يتخذ منها مهنة للتكسب المالي”، مشيرا الى ان “اهتمام البعض في ان يصبح شاعرا أكثر من اهتمامه في ان يكون في المستقبل، طبيبا او مهندسا، على سبيل المثال”.

 

ويعترف مدرس اللغة العربية كاظم حسن، بان “القصيدة الشعبية المسيّسة تغلبت على الشعر الفصيح الذي لم يعد له فرصة للانتشار امام موجة الشعر باللهجة العامية”.

 

والشعر الشعبي، كان على الدوام، انعكاسا للأحداث السياسية والاجتماعية التي مر بها العراق، واجاد فيه شعراء متخصصون، معروفون بجودة بصياغته. لكن الشعر الشعبي، اليوم، بحسب الكاتب والناقد علي حسن الفواز ، بات “ظاهرة متضخمة اكبر من حجمها، وهي ليست وليدة اليوم، إذ ان النظام السابق الذي اطيح به في 2003، وظّفها في إشاعة ثقافة الإعلان الحربي”.

 

ويؤكد الفواز على “غياب آلية مراجعة و فحص النصوص، وعدم وجود معايير فنية لصناعة هذه القصيدة، والتي لها تاريخ مهم في الثقافة الشعبية، عبر شعراء مهمين كتبوها مثل، مثل الحاج زاير، وملا عبود الكرخي”.

 

واعتبر الفواز ان “القصيدة تستثمر اليوم أيضا، لنوع من الإعلان السياسي والثقافي، بما يقلل من قيمتها الفنية ورسالتها في صناعة وعي شعبي يعزز الرؤيا الجمالية والفكرية والإنسانية، ومواجهة القبح والتكفير والإرهاب”.

 

ويقول الباحث الاجتماعي والفولكلوري، رحيم غالب، ان “الكثير من الذين يجيدون هذا الشعر اميون، وثقافتهم محدودة، ما ينعكس على انتاجهم الشعري”.

 

ويرى ان ” البطالة والتقاعس عن طلب العلم، هو أحد أوجه الجهل في المجتمع”.

 

ويقول “ازدادت اعداد الشعراء الشعبيين في العراق بعد 2003 بشكل مذهل، وأصبح الشاب العاطل عن العمل، الفاشل في المدرسة، والذي لا يجيد أي مهنة، شاعرا، لغرض التكسب وطلب الشهرة”.

 

ويتابع “ينطبق هذا الامر على كثيرين، لكن هذا لا يمنع من وجود شعراء شعبيين تخرجوا من الجامعات ويزاولون المهن المفيدة، لكنهم باعداد قليلة”.

 

واعتبر نظام صدام ، الشعراء الشعبيين، أداة إعلامية مهمة لنشر فكر نظامه، فأقام عشرات المهجرانات الشعرية، التي شارك فيها شعراء اصبحوا مشهورين بسبب ظهورهم في التلفزيون. 

 

وتعترف الشاعرة جنان الصائغ، بان “الظاهرة تفشّت في الآونة الأخيرة، اعتبرها البعض  ظاهرة ادبية بحتة، في حين البعض الآخر اعتبر الشعر الشعبي، هدّاما للغة العربية بسبب لهجته المحلية العامية”.

 

وبحسب الصائغ فانه “مهما اختلفنا حول الموقف من الشعر الشعبي، فانه يظل ظاهرة ابداعية جميلة، يعبّر بها الناس عن انفسهم وعما يدور في البلد من احداث”.

 

ان الجدل حول هذه الظاهرة يكشف الدور المؤثر للشعر الشعبي في المجتمع، وقدرته على توثيق الأمكنة والازمنة للأحداث. ويُرجع الكاتب والاعلامي ناصر الحجاج ، انتشار الظاهرة بشكل واسع، الى “أسباب تاريخية”، فيقول ان “هذا النوع من الإنتاج الادبي الإنساني يشكل المادة الفنية الاكثر شيوعا منذ القدم فهو ابداع يلازم العراقيين في الحرب، حيث يردد المقاتل العربي  الشعر خلال نزوله للمعركة، كما ان الاحتفال بالولادة والزواج لا يتم إلا بالأهازيج الشعرية”.

 

ويضيف الحجاج “المآتم الحسينية الدينية اعتمدت على الشعر في إيصال فكرتها وصياغة قصصها، فصار الشعر قضية متداولة”.

 

وحول الاستثمار السياسي لهذا الابداع، يقول الحجاج، ان “نظام صدام شجّع الشعراء الشعبيين خلال الحرب على نظم الشعر في المعارك وبإغراءات مالية ضخمة، فواصل الشعراء بعد 2003 تمجيدهم للسياسيين وللحرب حتى يومنا هذا”.

 

لكن الشاعرة شذى عسكر ، حيث تقيم في كركوك، ترى ان “ظاهرة كثرة الشعراء الشعبيين في العراق ليست غريبة، لان العراق بلد الشعراء سواء الفصيح، او الشعبي”.

 

واعتبرت عسكر ان “سياسات الحكومات تؤثر على الظاهرة وتزدهر وتضمحل تبعا لها، فحين يحتاج الحاكم والأحزاب، الى الشعراء الشعبيين كوسيلة اعلام للمدح، يزداد اعداد الشعراء، كما يصح العكس ايضا”.

 

وفي موقع التواصل الاجتماعي في “فيسبوك”، يتسابق عراقيون على تدوين قصائدهم الشعرية، في حسابات مخصصة لهذا النوع من الابداع، ويحصل ذات الأمر في “توتير”.

 

ويقول الكاتب والشاعر علي سرحان، ان “لغة الشعر الشعبي هي اللغة الدارجة وهي الاقرب الى النفوس في سياق ثقافي سمته الابتعاد عن القراءة، وتراجع المعرفة، وغياب المسرح والموسيقى”.

 

واعتبر سرحان ان “الانسان بالتعبير عن نفسه وفق حاجة نفسية واجتماعية، ما أدى الى طغيان هذا النوع من الادب الشعبي في المجتمع، لاسيما وان قصيدة النثر غامضة، وغير مفهومة، لدى الناس من غير أصحاب الاختصاص”.

 

لقد أتاح التنافس السياسي في العراق، تحول الشعراء الشعبيين الى مدّاحين لهذا الحزب او ذاك، فيما آثر البعض الاخر التعبير عن رفضه للفساد والإرهاب عبر القصيدة، وانبرى اخرون في التعبير عن مشاعرهم الدينية بإلقاء القصائد بين الجمهور.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان