ثقافة شعبية

قصيدة : (الى أم عراقية ) للشاعر كريم راضي العماري.. استحضار لذاكرة وطن

أمنه من تخبز خبز

وكت الغروب

يستحي التنور من اخدودها

او تستحي الجمرة

أمنه من تمشي

السعف يركص الهيوه

وللاغصان اليابسة

ترجع الخضره

توظيف الطبيعة والمناخ العام، يعطي للنص اطاراً متجانسا مع الموجودات مكونا بذلك (ايقونة) يقف عندها الزمن ليؤرخ حقبتها على نواصي الذاكرة، ينهل منها الشاعر استعاراته وهمومه ويسقطها على واقع معاش فـ (زهرة) هي الأم المضمخة بلون الزهر المستمد من الطبيعة التي تمنح الاشياء وجودها ولونها وايحاءاتها فهي انتماء للارض المعطاء واحدى مسمياتها :

امنه سموهه اهلهه

اسم يشبه لونها

سموهه زهرة

الزخم العاطفي في استحضار المواقف البريئة والحانية يتكئ على الماضي لتفجير مكنوناته في محاوله لإضاءة الحاضر وكشف مأساته. تنمو القصيدة في رحم الماضي، تتكاثر وتمتد حتى تتجاوز الواقع الى المستقبل عبر منظومة من دلالات العالم الطفولي وتطويع الشاعر للمأثورات الشعبية فلعبة (الطفيرة ) و(الختيلان )هي من الالعاب الشعبية والتي يشير فيها الى براءة الطفولة، فكانت اشارته واضحة ومشخصة وليست استلهاماً لمضمونها، وانما توظيف لابعادها النفسية ونكهتها الشعبية الخالصة لا مجرد تلميح نابع من قدرته على التوظيف الجزئي للفكرة الشعبية، فيورد الشاعر هذه الالعاب بطريقة الاستذكار لطفولته الريفية في ريف العمارة، ثم يسردها مسترجعا تلك الطفولة البريئة التي صارت معينا لا ينضب يستقي منه افكاره عبر تنويمة شجن لاغنية الأم المنداة بحزن العراق المزمن :

واذكر امنه اهدومنه

اتخيطها ببرة

واحنه نكعد يمهانلعب

مرة ختيلان

مرة الواحد الثاني يطفره

اوجنه نسمعها تغني

ابصوت

لو مرة يسمعه

صوتها المرمر يكسره

صوتها حزن العراق

الماضحك فد يوم ثغره

في كل هذه المواقف المستحضرة، ظل الشاعر يحلق في مناخات الماضي المعطر بعبق الطفولة البريئة محاولا خلق جو مفعم بالدلالات التي تدعونا لتأمل البراءة والطفولة الراتعة بالحزن واليتم ، موظفا تلك المناخات لخدمة الوصف الغنائي ليقاربه مع ما رآه وسمعه من مشاهد تقع ضمن الدائرة الحسية، عن طريق استحثاث الموقف المعبر الذي يشغل زوايا ذاكرته الوالهة عبر وثيقه ادانة واضحة للوحوش (الانكليز):

او جانت اتسولف سوالف

عن ابونه..

اتكول كتلوه الوحوش الانكليز

ابثورة الكيلاني من صارت الثوره

اتسعت مدلولات الأم في القصيدة لتشمل كافة رمزيات الحياة، وتكررت كلمة (الأم) لتؤدي وظائف دلالية واسعة ومضيئة للتجربة الشعرية فقد اثار الشاعر حالة خاصة بذاتية عالية من خلال استخدام هذا الاسلوب اللغوي، وهو التكرار كظاهرة اسلوبية ليخدم وظيفة مهمة للسياق الشعري في تسليط الضوء على مدلول حساس ليكشف عن اهتمام الشاعر بها، وللتكرار ايضا دلالة نفسية يفرغ فيه الشاعرحاجاته ومشاعره المكبوته .فتكرار كلمه (الأم) مرات عديدة يوحي كذلك ببعد شعوري وانساني يفصح عن المشاعر والخلجات التي تساوره، حيث يمنح هذا التكرار الشاعر فواصل تجعله ينوع بين طبقات صوته جهرا او همسا انكسارا او مكابرة، وكذلك يسهم في تقريب المعاني والدلالات .

فالام اتسعت دائرة مدلولاتها ومعانيها في القصيدة- كما اسلفنا- فكانت هناك الأم الطاعمة لصغارها والأم الرمز الجمالي لذاتيتها وكيانها وربيعها الدائم، والأم المعتنية بمهامها الانسانية، والأم المغنية والمترنمة والمهدهدة لاطفالها، والام الثورة والانتفاضة وصانعة الرجال، والأم الشاعرة والانسانة المعبرة عن واقع الحياة :

امنه جانت شاعرة

او تكتب شعر محد يفسره

اولسه اذكر هيه كالت

مو عراقي المايضحي

لاجل هذا الوطن عمره..

في غمرة الاستذكار وصوفية الذاكرة الوالهة، تتوحد الهموم وتندفع من دائرة الماضي وسطوة الزمن، فيعتمد الشاعر اسلوبا خطابيا رافضا للواقع عبر خلق معادل من نوع اخر، مكررا لفظة (لان) ليمنح النص دلالة الشعور الذاتي الممتلئ قوة واندفاعا ليعبر عن تركيز في المعنى مانحاً النص دفقا روحيا وجاعلا من الموت (موت الأم) خلاصا ورحمة ورفقا وانقاذا من واقع اصبحت فيه الحياة اشد بؤسا من الموت، واصفا ايضا حال الوطن بهذه الصورة التي تشير الى الماساة التي يعيشها، فهي تجربة مزدوجة من الناحية النفسية، فالشاعر هنا يشترك في مضمون الصراع كونه مواطنا ويرى صورة وطنه التي يلفها الصمت وفي هذا ربط عميق لمفهوم الماساة التي يحاول الشاعر ان يجعلها اكثر عمقا عندما يستخدم الجمل الاتية (خيانة الجار- افشاء السر- الذلة- التهجير):

امنه ماتت

من زمان ..!!

الله يحبها

لان ماشافت الجار

ايخون جاره اويفشي سره

اولان ماشافت الذلة

او لان ماشافت الهجرة

او لان ماسمعت كلام

اوماريد اهناه اذكره

او لان ماشافت وطن

بيه الشهيد النهر كبره

لقد حدد الشاعر صورتين تجمعهما المقابلة، صورة الواقع الآني المرعب الذي يعيشه الناس، وصورة الماضي القيمي عن طريق استحضار معالمه. وقد نجح في تقديم الصورة التي خلقها التوتر الشعري الناجم عن دقة الوصف وتعميق الماساة، ومع ذلك لم يقف الشاعر مكتوفا امام هذه المعادلة بل حاول ان يبعث من الموت حياة اخرى لان هذه الارض ولودة، فهناك امهات كثر تحملن مهام (الأم الراحلة) وصبرهن الجميل، يرسم ملامح لوطن تتداخل فيه الالوان والاحلام والتطلعات من كردستان حتى البصرة :

امنه ماتت

بس بقن كل النساء

البلعراق

هنه امنه

بقن ابطال ابصبرهن

حتى كردستان

متفارك البصرة.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان