الحقيقة – خاص
تلقيناً تقريراً أشبه بقراءة رصينة لما يجري خلف الأبواب الموصدة لأكبر تيار سياسي في العراق.. تكشف سطوره عن عمق الخلافات والاختلافات بين تيارين، أو منهجين مختلفين داخل الإطار التنسيقي..
و “الحقيقة ” إذ تشكر المرسل لهذا التقرير على ثقته بحيادية الجريدة، ووطنية منهج إدارة وهيئة تحريرها، فإننا نؤكد حفاظنا على هوية المصدر ..
إليكم التقرير كما هو دون أي حذف او إضافة عليه :
التحوّل الصامت: كيف تتغيّر بنية القرار داخل الإطار من دون إعلان؟
ثمّة ما يشبه الاهتزاز الهادئ داخل الإطار هذه الأيام؛ اهتزاز لا يصنع ضجيجا” لكنه يكشف عن تغيير جوهري في موازين القوى داخل البيت الشيعي نفسه.
فالتحولات التي تشهدها الساحة ليست خلافات عابرة بل صراع رؤيتين تجاه شكل الدولة وطبيعة القرار السياسي خصوصا” بعد أن فتحت التطورات الأخيرة سؤالا” مربكا” : ان رئيس الوزراء هو الخيار المقبول إقليميا” ودوليا” وداخليا” في آن واحد؟
هذا السؤال وحده يكفي لخلخلة أية بنية سياسية تميل إلى الاحتكار.
أولاً: صراع تيارين داخل الإطار – صداميون مقابل عقل سياسي هادئ
- تيار الصدام القديم
تيار ما يزال يتحرك بذهنية الماضي:
رفع الصوت تعبئة الفضائيات، استعمال الخطاب المتشنج والاعتماد على محللين يهاجمون باسم الإطار وكأنهم ناطقون رسميون له.
هذا التيار يعتقد أن التصعيد هو الطريق الوحيد لإبقاء نفوذه التأثيري وأن تهدئة الحكومة الحالية سحبت من تحتهم أوراق القوة القديمة.
اللافت أن بعض هؤلاء يعتمدون على “محللين” يظهرون يوميا” بصفة ممثلين عن الإطار بأكمله يتحدثون باسمه، يوجهون رسائله ويقدمون أنفسهم كحراس خطه السياسي.
ورغم أن الإطار نفسه لم يمنحهم أي تفويض إلا أن تكرار ظهورهم خلق موجة انزعاج حقيقية داخل البيت الشيعي:
من منحهم الشرعية للتحدث باسم الإطار؟ هل هم متحدثون رسميون؟
هل يعبرون عن كتلة واحدة أم يتحدثون بوهم “التكليف”؟
كيف امتلك كل واحد منهم “قراءته الخاصة” وكأن القرار مشرذم لدرجة أن الجميع يُدلي ويحلل ويفتي؟
هذا وحده يكشف حجم الاضطراب الداخلي وحقيقة أن جزءا” من “تيار الصدام” لا يمتلك إلا أدوات إعلامية، تستخدم لتعويض نقص الوزن السياسي في الواقع. - تيار أدرك الحقيقة المرة في المقابل هناك تيار أكثر عقلانية وهدوءا” أدرك أن اللحظة الحالية لا تحتمل مغامرات وأن منطق “خلق صدام جديد” لم يعد مدعوما” لا شعبيا” ولا إقليميا”.
هذا التيار يعرف — من تجربته الطويلة في السلطة —
حجم الخسارة التي تسببها المغامرات غير المحسوبة خاصة حين يتم استخدام الإطار لمصالح شخصية أو حسابات ضيقة لا تمت بصلة للمصلحة العامة أو للمكوّن الشيعي.
ولذلك بدأ هذا التيار بالابتعاد عن بعض القوى التي حاولت خلال السنوات الماضية الاستئثار بالقرار وتوجيه المسار بما يخدم شبكات نفوذها الخاصة.
ثانيا”: الرجل الذي أصبح “قناة آمنة” للطرفين التحولات الإقليمية والدولية الأخيرة جعلت رئيس الوزراء يقف في نقطة متقدمة لم يصل إليها أحد داخل الإطار منذ سنوات.
الرجل أصبح:
قناة آمنة للولايات المتحدة وقناة مطمئنة لإيران من دون صدام ومن دون خسارة ومن دون أن يسمح لأحد الطرفين بالتأثير على علاقة الطرف الآخر به.
هذا النوع من التوازن لا يصنعه حزب ولا تصنعه كتلة بل يصنعه رجل الدولة الذي يفهم البيئة ولا يفتح جبهات مجانية.
والحقيقة التي بدأت تتضح هي:
لا أحد داخل الإطار يمتلك القدرة على عبور الضفتين بنفس الهدوء الذي يفعله السوداني.
وهذه النقطة تحديدا” خلقت حالة قلق حقيقية داخل بعض المكاتب المظلمة لأنها تكشف انتقال مركز الثقل من “أحزاب القرار” إلى “رئيس القرار”.
ثالثا” : سقوط وهم السيطرة… الإطار لم يعد يمسك بالمفاتيح
البيئة السياسية لم تعد كما كانت:
الجمهور تغير، المؤسسات تقوى الإقليم يبحث عن الاستقرار والدول الكبرى تريد رجلا” قادرا” على إدارة التوازن لا إشعال الحرائق.
وبهذا المعنى لم يعد بالإمكان إزاحة رئيس حكومة بنفس الطريقة التي كانت تدار بها الحكومات السابقة.
فمن يمتلك اليوم:
دعم الجمهور
ثقة المؤسسات
قبولا” إقليميا”
وارتياحا” دوليا”
لا يمكن التعامل معه بمنطق “الضغط التقليدي”.
بل إن أية محاولة لدفع الأمور نحو الصدام سترتد على الإطار نفسه وتكشف انقسامه الداخلي أمام الجميع.
رابعا”: قوى داخل الإطار تنحني للصمت — وتراقب انهيار مشروع الصداميين
هناك قيادات داخل الإطار بدأت تدرك أن اللحظة أكبر من الخطاب الانفعالي وأن مشروع “الصِدام” لن يورث إلا الخسائر.
هذه القيادات تتذكر جيدا” كيف استأثر بعض الأطراف بالسلطة سابقا” وكيف أداروا المكائد واحتكروا القرار وكيف دفع المكوّن الشيعي ثمن تلك المغامرات. ولذلك، اختارت الصمت — لا الضعف —
وابتعدت عن المغامرين وتركتهم يواجهون الرأي العام والإقليم بخطاب يكشف هشاشتهم لا قوتهم.
خامسا”: معضلة المرشحين — خطر البدائل على العراق والشيعة
وسط هذا المشهد يبرز سؤال استراتيجي:
لو لم يكن السوداني الخيار… فمن سيكون؟ - المرشح القديم
أي اسم قديم يحمل معه:
ملفات
علاقات
خلافات
حساسيات سياسية
انحيازات سابقة
تاريخا” سياسيا”
وتوصيات سابقة غير متوافق عليها كل طرف يمتلك على “القديم” عِلّة وكل جهة تطلب عليه شرطا” وكل محطة تذكر بموقفٍ سابق يتنافى مع لحظة التوازن التي يعيشها العراق.
القديم مرفوض إقليميا” ودوليا” قبل أن يبدأ الحديث عنه. - المرشح الجديد
الطرح الجديد لا يحل الأزمة بل يصنع خطرا” أكبر:
بلا تاريخ
بلا وزن سياسي
بلا حزب
بلا سجل
بلا أثر
أية شخصية جديدة بهذه الشروط قد تنقلب ضد طرف ما أو تصبح ورقة ضغط على الإطار نفسه وخطرها على الوضع العراقي والشيعي أكبر بكثير مما صنعه أي مرشح سابق بما في ذلك ما فعله الكاظمي الذي يبقى مجرد نقطة صغيرة في بحر المخاطر التي يُمكن أن يحملها مرشح بلا جذور.
سادسا”: المعادلة الجديدة — السوداني أثقل من الجميع
القراءة الواقعية للثقل السياسي اليوم تقول:
في الجمهور؟ الصورة واضحة
في المقاعد؟ لا يحتاج تفسيرا”
في الحضور الإقليمي والدولي؟ الرجل بات عنوانا” يستقبل كرجل دولة لا كزعيم كتلة والمخاوف داخل الإطار تتشكل:
ماذا لو أصبح السوداني الخيار المقبول بين واشنطن وطهران والشيعة في آن واحد؟
هذا السؤال وحده كفيل بإعادة تعريف مركز القرار داخل البيت الشيعي كله وجعل أي نقاش عن بدائل مجرد وهم ويدفع بعض القوى إلى إعادة ترتيب أولوياتها سريعا”.
الخلاصة
ليست قوة السوداني هي ما يقلق بعض القوى… بل إدراكها المتأخر أن اللحظة تجاوزتها وأن نفوذها لم يعد مطلقا” كما تتوهم وأن هناك رجلا” واحدا” فقط يمتلك القدرة على الربط بين الداخل والخارج
من دون أن يُستنزف أو يخسر.
والجزء الأكبر من ضجيج المحللين الذين يزعمون تمثيل الإطار يكشف هشاشة الواقع السياسي أكثر من أي شيء آخر ويؤكد أن العقلانية، التوازن، والثقل الحقيقي
موجود في يد رجل الدولة الوحيد القادر على العبور بين الجميع.






