الحقيقة – خاص
يروي الحاج بدري قصته قائلاً:
في العام 1960، كان تمثال الزعيم عبد الكريم قاسم قائمًا وسط الرمادي. كنت حديث الزواج، فقير الحال، أقف كل صباح في المسطَر بحثًا عن عمل. وذات يوم وقفت من الخامسة صباحًا حتى المساء دون أن أحصل على رزق. وعند حلول الليل جلست مع مجموعة شباب يشربون الخمر قرب دكان مسيحي يدعى خالد. كنت جائعًا، فأكلت معهم، ثم ألحّوا عليّ أن أشرب، ولم أكن أعرف شيئًا عن الخمر. وحين ثملت، بدؤوا يسخرون مني، وطلبوا أن أربط “البسطال” البالي الذي أرتديه كقلادة وأضعه في عنق تمثال الزعيم… وفعلت بلا وعي.
شاهده أحد رجال الأمن، فاستيقظت في الیوم التالي داخل أمن الرمادي، ثم نُقلت إلى بغداد، وأنا أظن أن حكماً قاسياً ينتظرني. لكنهم فجأة أدخلوني إلى وزارة الدفاع، حيث كان الزعيم بانتظاري.
دخلت عليه وأنا أرتجف. نظر إليّ طويلاً حتى انفجرت بالبكاء. فقال بهدوء:
“ابني… ارفع راسك واحچي”
جلست أمامه وأنا أخفي آثار الخوف. سألني:
“انت لِأي حزب تنتمي؟”
قلت: “ما منتمي… فقير وما عندي شيء”
ثم قال لي:
“ابني… يجوز واحد يحط الحذاء على راس أبوه؟ ليش سويت هيج؟”
رويت له ما حدث، وكيف استغلني رفاق السوء وأنا سكران وجائع. فضحك ضحكة كبيرة، ثم قال:
“أنا أصدقك… أعرف الصادق من الكاذب.”
نادى سكرتيره وطلب ما تبقى من راتبه، فكان عشرة دنانير. وضعها في جيبي قائلاً:
“اغتسل وروح لشارع الرشيد، احلق، واشترِ ملابس تليق بالصادقين. وروح لمتصرفية الرمادي… كولهم الزعيم يسلم عليكم ويعيّنونك. وإياك والخمر بعد اليوم.”
يختم الحاج بدري:
“خرجت من عنده وكأني ولدت من جديد… وهذه قصتي مع الزعيم الذي أحببته.”










