حين تعجز الكلمات تتكلّم الألوان
عدنان الفضلي
من يدخل عوالم الفنانة والناقدة التشكيلية أميرة ناجي، ستصادفه الكثير من التفاصيل التي لا يجدها في عوالم فنانين آخرين، فهي منذ نعومة أظفارها رتبت نفسها على أن تتحدث بلغة اللون، وتمضي وفق حركة الفرشاة، ولا تلتفت إلا إلى جهة الحروف المتناثرة حولها.
كانت أميرة ناجي تجد في الورقة البيضاء مساحة تهرب إليها من ضجيج العالم، فهي منذ الصغر ترسم كل ما يلامس خيالها ومشاعرها، دون أن تدرك أن تلك الخطوط الصغيرة كانت تبني هويتها الفنية بهدوء. وقد تطورت هذه الهوية مع مرور السنوات، فهي، كما تقول: “مع مرور السنوات شعرت أن الرسم لم يعد مجرد هواية، بل أصبح لغة أتحدث بها مع نفسي ومع الآخرين. وفي اللحظة الحقيقية التي أدركت فيها أن الفن صار جزءا مني، وأن اللوحة أصبحت قادرة على التعبير عما أعجز عن قوله بالكلمات، شعرت وكأن اللون صار امتدادا لروحي”.
لا تخلو محطات انطلاق الفنانين والأدباء من التأثر بآخرين ملهمين، ولذلك لم تترك أميرة ناجي هذه الخانة فارغة، بل وضعت لنفسها أكثر من ملهم قادوا خطواتها تدريجيا نحو ما هي عليه اليوم. فقد تأثرت بمن تركوا بصمة عميقة في تاريخ الفن التشكيلي، فعلى سبيل المثال تبدو متأثرة بالفنان فان كوخ لما يحمله من صدق عاطفي وتوتر إنساني في اللون، كما تأثرت بالفنان بابلو بيكاسو بسبب قدرته على كسر الشكل التقليدي وإعادة بنائه برؤية مختلفة. فضلا عن ذلك، تجد في أعمال الفنانة فريدا كاهلو قربا من الألم الإنساني وقدرة على تحويل المعاناة إلى جمال بصري، بحسب قولها.
ومن يستكشف عوالم الرسم التي شهدت بزوغ منجز أميرة ناجي، سيجدها قد مرت بتجارب متعددة وسارت في طرق تؤدي إلى مدارس فنية متنوعة. فقد تفاعلت مع تلك المدارس وقدمت أكثر من اشتغال، فهي، كما تقول، عملت ضمن أكثر من مدرسة فنية وخاضت تجارب متنوعة بين الواقعية والانطباعية وبعض التجارب التجريدية، لكن قلبها ظل دائما قريبا من المدرسة التعبيرية، لأنها تشعر أن التعبيرية تمنح الفنان حرية البوح والانفعال، وتجعل اللون حالة نفسية لا مجرد عنصر جمالي.
وتحرص أميرة ناجي في أغلب أعمالها على أن يكون الإنسان محور الاشتغال، وأن تكون الإنسانية هدفها الأسمى. فهي تهتم كثيرا بالإنسان وما يختزنه من مشاعر وأسئلة داخلية، لذلك تحمل لوحاتها الكثير من حالات الحزن والحنين والانتظار والأمل. كما أن للمرأة حضورا قويا في أعمالها، باعتبارها رمزا للحياة والصبر والجمال الروحي. كذلك تستلهم من الذاكرة العراقية تفاصيل كثيرة، مثل الأزقة القديمة والوجوه الشعبية والرموز التي تعكس هوية المكان، وتحاول دائما أن تكون اللوحة مساحة للتأمل الإنساني لا مجرد صورة جميلة.
وقدمت أميرة ناجي نفسها رسامة تسير بخطى ثابتة نحو هويتها الخاصة، كما مارست الكتابة النقدية، متخذة من تجربتها وقراءاتها وثقافتها التشكيلية أدوات تساعدها على ذلك. فهي ترى أن الرسم والكتابة يشكلان عالمين متكاملين؛ فحين تعجز الكلمات تتكلم الألوان، وحين يصمت اللون تبدأ الجملة بالولادة. فالكتابة عندها فرصة للتأمل والتعبير الفكري، بينما يمنحها الرسم مساحة أوسع للحرية والانفعال، ولذلك لا تستطيع الفصل بينهما، لأن كليهما يخرج من المصدر ذاته، وهو الإحساس الداخلي.
ويتكئ منجز أميرة ناجي على تنوع أدواتها الفنية، فهي تتنقل بين الخامات وتختار ما يناسب الفكرة وطريقة إيصالها. فهي تحب العمل بالألوان الزيتية والأكريليك لما تمنحه من عمق ومرونة في التشكيل، وترى أن لكل خامة شخصيتها الخاصة وحضورها المختلف داخل اللوحة. وفي الوقت نفسه تجد نفسها كثيرا في الرسم بالرصاص والفحم، لأنهما يكشفان روح الخط والتفاصيل والتعبير الصادق بعيدا عن زينة اللون. أما الألوان المائية فهي، من وجهة نظرها، ليست سوى “أحلام الطفولة” والبدايات التي صقلت الموهبة ومنحتها دهشة الاكتشاف الأول.
ولم تبتعد أميرة ناجي عما يحيط بها وبوطنها من أحداث، سواء كانت حزينة أم مفرحة، كونها تنتمي إلى هذا الوطن العريق. فهي ترى أن الفنان لا يمكن أن يكون بعيدا عن وطنه وما يمر به من تحولات، وأن العراق بقي حاضرا دائما في روحها وفي تفاصيل أعمالها، فكل ما يعيشه الإنسان العراقي من ألم وصبر وأمل ينعكس بشكل أو بآخر داخل اللوحة، حتى وإن لم يكن ذلك بصورة مباشرة.
وتؤمن أميرة ناجي بأن الفن رسالة إنسانية عميقة، فهي تؤكد دائما أن اللوحة الحقيقية تستطيع أن تلامس الوعي وتوقظ الإحساس بالجمال والتسامح والمحبة. لكنها تعتقد أن الفن والأدب لا يغيران العالم دفعة واحدة، غير أنهما قادران على تغيير إنسان واحد، وهذا بحد ذاته بداية مهمة.
وأميرة ناجي فنانة حالمة، فهي أسوة بزملائها تحلم بأن تقدم تجربة فنية تترك أثرا صادقا في ذاكرة المتلقي، وأن تصل بلوحاتها إلى فضاءات عربية وعالمية أوسع. كما تحلم بإقامة معارض تحمل هوية إنسانية وثقافية تعبر عن العراق بصورة تليق بتاريخه وحضارته.









