ألاخيرة

الفنانـــــة روث أســــاوا: فـــــنّ يبنــــي مجتمعــــاً ويُفكّــــك العزلــــــة

أسامة عبد الكريم

ترك الاعتقال الجماعي للأميركيين من أصل ياباني خلال الحرب العالمية الثانية جرحاً غائراً في الوعي الأميركي؛ آلاف العائلات التي وُلدت وعاشت في الولايات المتحدة جرى اقتلاعها وإيداعها في ثكنات من العزلة، خشية ً من انتماءٍ مفترض لا دليل عليه. في تلك البيئات المغلقة نشأت حساسيات فنية جديدة، بعضها وُلد من الندرة، وبعضها من محاولة تحويل الألم إلى لغة. من بين هؤلاء برزت روث أساوا، التي حوّلت التجربة القاسية إلى رؤية راسخة: الفن ليس عملاً فردياً، بل شكل من أشكال بناء الحياة المشتركة.
منذ بواكيرها، لم تكن أساوا تميل إلى الفن المنعزل. في كلية بلاك ماونتن، كانت توقظ جوزيف ألبرز قبل الفجر لمشاهدة الشروق؛ وفي معسكر الاعتقال في أركنساس كانت ترسم وجوه المعتقلين كأنها تحفظ أثرهم من الذوبان. لاحقاً، صارت منحوتاتها السلكية الشفافة، المتأرجحة بين العضوي والهندسي، نتاجاً لعمل تشاركي مع أبنائها وتلاميذ المدارس.
يقدّم المعرض الاستعادي في متحف الفن الحديث بنيويورك صورةً حميمة لارتباط شكل أساوا بحياتها اليومية. فبينما تُعرض منحوتاتها المبهرة بوصفها «أشكالًا داخل أشكال»، تظهر حولها صور وفيديوهات وأشياء منزلية صنعتها بيديها، بما فيها أقنعة الجصّ وأبواب الخشب الأحمر المنحوتة. تتجاور أعمال الورق والمطبوعات مع مشاريعها العامة، ومن أبرزها نوافير الأوريغامي الفولاذية في الحي الياباني بسان فرانسيسكو.
إنّ ما يمنح أعمال أساوا قوتها ليس المادة وحدها، بل روح الضيافة الفنية التي تتخللها. ابنة مهاجرين جرى نزع ملكيتهم في زمن الخوف، وصاحبة أسلوب تجريدي يوحي بلا مكان ثابت، سعت إلى خلق فنّ يمثل وطناً بديلًا، مكاناً يشعر فيه الآخرون بالانتماء. هذا التوتر بين الاقتلاع وبناء الملاذ شكّل جوهر مسيرتها.
استعادت أساوا مكانتها الوطنية في السنوات الأخيرة؛ فمعرض ويتني العام 2019 وكتاب الأطفال الذي رُوي عنها، ثم تكريمها بفوهة على عطارد، أعادوا تأكيد أثرها المتجاوز للأزمنة. أما المعرض الحالي، الذي يضم أكثر من ثلاثمائة عمل، فيُعدّ أوسع قراءة لميراثها حتى الآن، ويعرض بوضوح كيف حولت حياتها الأسرية ــ بستة أطفال وورشة منزلية مفتوحة ــ إلى معمل ٍدائم للفن. من تجاربها في مكسيكو وتعلمها «الحياكة بالأسلاك» وابتكارها أشكالًا تتكاثر ككائنات بحرية، إلى تجربتها في نحت النوافير العامة بمشاركة مئات من أطفال المدارس، ظلّ جوهر عملها واحداً: الفن ممارسة اجتماعية. وفي سنواتها الأخيرة، واصلت أساوا دمج حياتها الفنية مع قضايا الذاكرة والعدالة. نصبها في سان خوسيه الذي يخلّد المعتقلين اليابانيين يشهد على هذا الربط بين الفن والتاريخ، بين الشكل والجرح، بين الحياة التي تُصنع يداً بيد، والذاكرة التي لا تندثر. كما برزت حركة «العمال المهاجرين» بوصفها أحد أكثر الأصوات حضوراً في مواجهة سياسات الاحتجاز والترحيل التي تطال العائلات القادمة بحثاً عن الأمان وفرص العيش. فقد نظّمت هذه الحركة شبكات دعم قانوني ومجتمعي، ودفعت بقوة نحو مساءلة الأطر التشريعية التي تسمح بوجود مراكز احتجاز تُذكّرــ على نحو مؤلم ــ بالمعسكرات التي اختبرت أساوا نفسها آثارها قبل عقود. هذا النشاط المتنامي أعاد فتح النقاش الوطني حول كرامة الإنسان وحقه في الحماية، ولفت الانتباه إلى مصائر آلاف الأطفال الذين يعيشون داخل أنظمة بيروقراطية قاسية. وفي قلب هذا المشهد، يتردد سؤال أساوا القديم من جديد: كيف يمكن للفنّ، وللعمل المدني، أن يرمّم الفجوة بين «الداخل» و«الخارج»، وأن يعيد لمن تُركوا في الهامش إحساسهم بالمكان والانتماء؟

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان