الاخيرة

عصام عبدالحفيظ: بورتريهات تتجاور فيها الذاكرة مع اللحظة، والضوء مع اللغة، والظل مع المعنى كمال هاشم

تجربة عصام عبدالحفيظ في تصوير الوجوه السودانية تمثّل مشروعًا بصريًا يذهب بعيدًا عن التسجيل السطحي إلى بناء تأملي عميق في ماهية الحضور الإنساني. لا يقدّم وجوهًا بقدر ما يستدعي ذاكرتها الخفية، ملامحها التي تشي بما لا يُقال، وإشاراتها التي تختزن تاريخًا من الصبر والكرامة والحنين. عند عصام عبدالحفيظ يصبح الوجه نصًا بصريًا متعدّد الطبقات، تتجاور فيه الذاكرة مع اللحظة، والضوء مع اللغة، والظل مع المعنى.

تُبنى الصورة عند عصام عبدالحفيظ على وعي حاد بتقنيات الضوء وأطياف اللون. فهو يختار لقطاته بعين شاعر وصانع صورة. الكادر عنده ضيق بالقدر الذي يجعل النظرة مركز الكون، والضوء متوزع في بؤر محددة ليقود المشاهد إلى الداخل، نحو مساحة التأمل والتفاعل. العدسات التي يستخدمها، خاصة الزووم والتليفوتو، تسمح له بأن يكون قريبًا من وجوهه من دون أن يقتحمها، فيحافظ على لحظتها الصادقة وعفويتها، ويترك للتعبير الطبيعي أن يتكلم بلغة صمتٍ شفيفة.

الوجوه التي يلتقطها تنتمي إلى أطياف واسعة من الحياة السودانية، تشمل مبدعين وساسة ومفكرين ووجوه معبرة من الريف إلى المدينة، من الشيخ الحكيم إلى الشابة المبتسمة، من تجاعيد اليد إلى نظرة الحلم. تلك التنوّعات هي كتابة جماعية لوجدان بلد بأكمله، تُقرأ ملامحه في عيون ناسه. فالمشروع، في جوهره، بحث عن هوية مشتركة تتجلّى من خلال تفاصيل فردية، تنبئ عن وطنٍ يسكن الملامح قبل أن يسكن الجغرافيا.

يشتغل عبدالحفيظ على اللون كأداة شعورية. ففي بعض المجموعات يُبقي على ثنائية الأبيض والأسود ليصوغ المعنى في اقتصاد بصري مكثف، بينما يختار أحيانًا توظيف اللون في حدوده الدقيقة ليكشف طبقة حسّية جديدة، خاصة في انعكاس الضوء على الجلد أو بريق العيون. هذا التوازن بين الحياد اللوني والانفعال الضوئي يمنح الصورة إيقاعًا داخليًا متماسكًا، يجعلها أقرب إلى نص بصري مفتوح على التأويل.

ما يميّز هذه البورتريهات هو إدراكها العميق لقيمة الضوء كزمن، لا كعنصر تقني. الضوء عند عصام عبدالحفيظ يكتب حضور الوجوه كما يكتب غيابها، يمرّ على الملامح كما تمرّ الذاكرة على الروح، فيترك أثرًا يتجاوز المرئي إلى ما هو وجداني. في بعض الصور، يكفي أن يلتقط ومضة عين أو خط ظل على وجنة لتتكشّف طبقة كاملة من المعنى النفسي والاجتماعي، وكأن الكاميرا تمارس نوعًا من الإصغاء البصري لما لا يُقال.

الدراما التي تصنعها هذه الوجوه ليست مفتعلة؛ إنها ناتجة عن صدق اللحظة. لذلك تأتي الصور بعيدة عن التصنع والتجميل، بل تحتفي بالعيوب الصغيرة، بالتجاعيد والملمس والخطوط التي تشهد للزمن أكثر مما تخفيه. بهذا الوعي، تتحوّل الصورة من كيان جمالي إلى أثر وجودي، يحمل في داخله حكاية كل من مرّ أمام العدسة، ومن خلفها أيضًا.

تجربة عصام عبدالحفيظ تتجاوز كونها مشروعًا شخصيًا مغلقًا، فنرى تأثيرها في مشهد فوتوغرافي سوداني آخذ في التشكّل داخل سياقات متعددة بين نيروبي والقاهرة ومدن الشتات،  تُعبّر عن جيل يرى في الصورة وسيلة للإفصاح عن الذات الجماعية، ولإعادة صياغة الهوية البصرية للسودان المعاصر. ومن خلال حضوره في المعارض والحوارات الفنية، يصبح عمله مساهمة في بناء أرشيف بصري جديد يربط الماضي بالحاضر، والوجوه بالذاكرة، والضوء بالحكاية.

قوة هذا المشروع تكمن في قدرته على تحويل المرجع الواقعي إلى كتابة فوتوغرافية إنسانية الطابع، توازن بين الصنعة والروح. الصور لا تصرخ ولا تتجمّل، بل تهمس بإيقاع الحياة اليومية، وتذكّرنا بأن الفن في جوهره بحث عن المعنى في أكثر الأماكن بساطة وصدقًا: في الوجه الإنساني.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان