معرض الفنان التشكيلي السوداني الشاب أسامة خالد
د كمال هاشم / القاهرة
قدّم الفنان التشكيلي السوداني الشاب أسامة خالد، في معرضه الفردي الأول بعنوان «نظرة أسامة: من السودان إلى كتالونيا»، تجربة بصرية تتسم بتوتر إبداعي ملحوظ حيث تتقاطع الذاكرة الشخصية مع سياقات اجتماعية وسياسية أوسع. أُقيم المعرض في مركز أتنيو فورت بيينك ببرشلونة، من 4 مارس ويستمر حتى 9 أبريل 2026، مما أضفى عليه بعداً هاماً؛ إذ يُقرأ كعرض فني وكبيان ضمني يبرز إمكانات الفن في مواجهة التهجير القسري وإعادة صياغة المعنى في المنفى.
تنفتح تجربة أسامة خالد على مسار حياتي متشظٍ: يبدأ بتكوينه الأكاديمي في كلية الفنون الجميلة بجامعة السودان، ثم ينقطع بحرب أبريل 2023، ليتبع ذلك انتقال جغرافي وثقافي عبر السودان ومصر وإسبانيا. ومع ذلك، لا يتجلى هذا المسار في الأعمال كنسق سردي مباشر، بل عبر طبقات تمثيل بصري تعيد تركيب التجربة ضمن تكثيف تعبيري يوازن بين التوثيق والانفعال العاطفي. وفي هذا الإطار، يتجاوز انخراطه في برنامج «فنانون في خطر» الدعم المؤسسي ليصبح عنصراً أساسياً في بنية الخطاب الفني، حيث تتداخل شروط الإنتاج مع موضوعاته المركزية.
على صعيد اللغة التشكيلية، يعتمد خالد نزعة تصويرية واضحة، غير محصورة في الواقعية التسجيلية، بل مفتوحة على معالجة تعبيرية تتجلى في كثافة اللون وحيوية السطح التشكيلي. فالألوان الدافئة؛ الأحمر والبرتقالي والأصفر تُستخدم كعناصر جمالية محايدة، وكوسائط انفعالية تعيد شحن المشهد بطاقة درامية، تقاوم قسوة الموضوعات المعالجة. كما يمنح تنويع الخامات الأعمال تعدداً حسياً، يولّد توتراً بصرياً بين الامتلاء والاختزال، وبين الحضور الجسدي والهشاشة.
تركز الموضوعات على مشاهد من الهامش الاجتماعي؛ بائعي الشوارع، الأطفال، والنساء الفقيرات، التي تُقدَّم ككيانات مثقلة بواقعها اليومي، تجسّد اقتصاد البقاء. غير أن هذه المقاربة تحمل مفارقة نقدية، إذ تميل أحياناً إلى تثبيت هذه الشخصيات ضمن أطر دلالية متكررة، تعيد إنتاج صورة المعاناة كمركز ثقل وحيد. وعند انتقال التجربة إلى برشلونة، يبرز تحول نسبي في المعالجة، مع تسلل عناصر من البيئة الجديدة وإعادة صياغة الجسد الإنساني في فضاءات أكثر انفتاحاً، دون فقدان الارتباط بالمرجعية الأصلية. هنا، يصبح الجسد كالمنظر الطبيعي، وسيطاً مزدوجاً: شاهداً على الفقدً والحنين.
يُشاد بخالد لبنائه لغة بصرية قادرة على التأثير عبر سياقات ثقافية متنوعة، مستندة إلى بساطة تركيبية تخفي شحنة عاطفية عالية. ومع ذلك، يظل هذا الإنجاز محدوداً ببعض الأعمال التي تبقى أسيرة نمط تعبيري واحد، يعتمد على التكرار لتراكم التأثير أكثر من فتح احتمالات تأويلية جديدة. وهذا يثير تساؤلاً حول ضرورة تعميق البعد المفاهيمي، والانتقال من تمثيل المعاناة إلى تفكيك بنياتها النفسية والرمزية.
في الختام، يندرج هذا المعرض ضمن تجارب فنية تعيد تعريف دور الفن في سياقات الأزمات، كأداة توثيق أو تعاطف وكمساحة لإعادة تركيب الذات والعالم. ومن هذا المنظور، تظل التجربة بتوترها بين المباشرة والتكثيف مفتوحة على تطور واعد، نظرا للإمكانات الكبيرة لأسامة خالد، يدفعها نحو آفاق أكثر تركيباً وعمقاً في المشهد الفني السوداني المعاصر.









