الأولى

حين يتحول رئيس الحكومة إلى مدير عام:

انهيـــــار منطـــــق النظــــــام البرلمانــــــي جاسم الحلفي

تنقسم النظم السياسية في الدول الديمقراطية إلى أربعة نماذج كبرى: النظام الرئاسي، وتمثله الولايات المتحدة، والنظام البرلماني بنموذجه الأبرز في المملكة المتحدة، ونظام الجمعية كما في سويسرا، ثم النظام شبه الرئاسي الذي تُعد فرنسا خير مثال عليه. وعلى اختلاف هذه النماذج في مستوى فصل السلطات وتوازنها، إلا أنها تشترك في قاعدة مركزية واحدة: من يشكل الحكومة هو الفائز الأول، أو التحالف الذي يقوده الفائز الأول.

 في الأنظمة البرلمانية تحديداً، تُعد هذه القاعدة جزءاً من هندسة النظام نفسه. فحتى حين لا يمتلك الحزب الأول الأغلبية المطلقة، فإنه يتجه إلى بناء تحالفات سياسية لتأمين الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة. وهذه التحالفات ليست مجرد تفاهمات عابرة، بل ترتبط بمعايير واضحة: التوافق على البرنامج الحكومي، تقاسم الحقائب، وتحديد الوزن النسبي لكل طرف داخل الائتلاف. لم يحدث في أية تجربة برلمانية راسخة أن فرض حليف على الحزب الفائز التخلي عن دوره القيادي أو خروجه من السياسة، لسبب بسيط: ذلك يُسقط منطق النظام البرلماني من أساسه.

 من هنا تبدو غريبة، بل غير قابلة للتصنيف علمياً، تلك الدعوات التي تطالب الحزب الفائز بأن يأتي برئيس وزراء (محايد سياسياً) أو (غير منخرط) في العمل السياسي. والأغرب أن يُطلب من رئيس الحكومة المنتخب ألا يمتلك أدوات التأثير، وأن لا يقود كتلة سياسية، وأن تُختزل صلاحياته في مستوى وظيفي أقرب إلى مدير عام منه إلى رئيس سلطة تنفيذية. هذا الفهم يناقض مبادئ علم السياسة، ويتجاهل أبسط قواعد النظم البرلمانية التي تُدرَّس في الأسبوع الأول لطلبة هذا الحقل.

 في النظام البرلماني، رئيس الوزراء هو الفاعل السياسي المركزي.

هو قائد الأغلبية، وصاحب البرنامج، والمسؤول الأول أمام البرلمان والرأي العام. موقعه ليس موقع الحياد البارد، بل موقع الاشتباك السياسي المباشر، لأن الحكومة ليست جهازاً إدارياً، بل سلطة سياسية تمثل إرادة الأغلبية التشريعية. وإذا كان رئيس الوزراء بلا حزب، بلا قاعدة، بلا كتلة، فمن سيمنحه الثقة؟ ومن يحمي حكومته؟ ومن يتحمل مسؤولية قراراته؟ بل من يحاسبه؟

والمطالبة برئيس حكومة منزوع الصلاحيات ليست إصلاحاً، بل دعوة إلى إنتاج واجهة شكلية لا تحكم فعلياً، فيما تنتقل السلطة الحقيقية إلى قادة الكتل خلف الستار. النتيجة الطبيعية لذلك هي حكومات ضعيفة، مترددة، غير قادرة على اتخاذ قرار أو تنفيذ برنامج، لأنها لا تستند إلى قيادة سياسية واضحة ولا تمتلك أدوات النفوذ الدستوري.

من منظور النظم السياسية المقارنة، يُعد تجريد رئيس الوزراء من صلاحياته التنفيذية أحد أخطر اختلالات بنية النظام. إذ يؤدي إلى:

1. تفريغ منصب رئيس الحكومة من مضمونه الدستوري.

2. تحويل السلطة التنفيذية إلى جهاز إداري بلا إرادة سياسية.

3. زيادة نفوذ الكتل خارج الحكومة على حساب مؤسساتها.

4. تعطيل مبدأ المسؤولية السياسية أمام البرلمان.

5. شلل حكومي وفوضى قرار وغياب رؤية واضحة.

 هذه ليست استنتاجات نظرية، بل خلاصات أكدتها التجارب المقارنة. فكلما ضعفت شخصية رئيس الوزراء وتقلصت صلاحياته، يتمدد نفوذ القوى التي تريد نصيباً من السلطة دون أن تتحمل تبعاتها، فينشأ فراغ قيادي تستغله الأطراف الثانوية لتوجيه القرار من وراء الستار. ومع الوقت، تزداد هشاشة الحكومة ويتراجع أداؤها التنفيذي، لأن مركز الثقل ينتقل من رئاسة الوزراء إلى مراكز قوة متعددة لا تخضع للمساءلة ولا تتحمل المسؤولية السياسية.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان