شعرية وجود الزمن بين ماضي المعلقات وحاضر القصيد في نص الشاعرة إنعام الحمداني
جبو بهنام بابا
الشعر لغة فنية وإيقاع وصورة خيالية ، وهو يعتمد في التعبير عن المعنى وايضا اللغة، وهذا يشير الى الفطنة والعلم الدقيق، وهو شكل من أشكال النثر الادبي ، مما فيه من جمالية لموضوع واضح كما في قصيدة الشاعرة انعام الحمداني .
إطلاق القياس المركب في قضايا خيالية تؤثر في النفس، فتعبير مبدأ فعل أو ترك أو رضاء أو بسط أو ألم، والشعر بهذا المعنى يفيد الاستعطاف والاستقصاء، فالنفس أطوع الى التخيّل منها الى التصديق، وأهل الصناعة الشاقة يستعينون بالتغني بالمعلقات، وهذا الشعر جار على قانون اللغة بما فيها استعارات لطيفة أو تشبيهات بديعة وهذا الشيء مهم في الشعر بحيث يؤثر في النفس سواء كان صادقا أوغيره، أنا مضمر بالشكوى باللسان مظهرها:
( ماسرّ براءةِ عينيكِ / حتى اذا اقبلتا انفرجت في داخلي / الجهات الاربع / وتداعى صرحُ صلابتي / كما تتهاوى أطلال خَلقاء في فجرٍ هاجَ / ريحُه من دون موعد ).
حين تهاجر الأحلام يركن الصمت في زوايا المنفى البعيد بين طيات المدى، فيبقى الهجير ساحة لذرف الدموع وجفاء المقل تسكن السماء ويهيم القمر بالخفوت وتنوء الربى بين أعالي الجبال اليابسة حتى تخفق الطيور من الطيران ويبقى العبير يضوع بعطره النوراني فتبدا الذات في أحلام العودة إلى ان يغيب السهد عن العيون العابرة بترانيم الصباح ، الشاعرة مدارا للتحولات في حياة اصحاب المعلقات، كان للشاعرة حظا سعيدا، القصيدة تميل الى الجانب الاجتماعي حيث الطبيعة والحب والماضي الجميل، إنها تسلسلات منطقية سهلة الفهم ومتسقة بجماليتها في اسلوب ليّن وبِناء محكم:
( في حضرتكِ / تحررتْ كل قواميس لغتي في مفرداتها / كأن الحرف كان مقيداً في ظلال / حَلْقَة الملك/ حتى جئتِ/ فانفلت من عقاله / يطاردُ مجازا لايشبهه / الاّ وهج فرس في برقِ حُمى / امرى القيس / حين كان يتتبعُ اثرَ الحب على الرملِ).
النقد ليس تصيد الأخطاء لكن البحث في التراث والسيكولوجيا واستجلاء الامور، وما يناهض اتجاها خاطئا، لذا فالناقد يجب عليه ان يتحلى بروح البحث ويتجمل بصبر الشاعر، فقد قال جورجي زيدان: أجعل انتقادا على سبيل البحث وهذا يتطلب تثبيت الامور والتأكد من صحة مايقصد الشاعر. فالنقد يكون مثمراً إذا جاء اسلوب الناقد لينا حسنا مع الإنصاف والإعتدال، هكذا تبدو القصيدة متشحة بالولع تشف عن تجربة إجتماعية عاطفية تحاكي طبيعة الحياة لا تأبى الفراق :
( يا انتِ / يامن تمشين على القلب / كنا نمشي عين لبيد فوق صحراء تجدد / كيف استطعت ان تجعلي مني / سَدَنة دهشةٍ / وأسيرَ ظلّكِ / كا نني فارسُ عنترة / يقف بين المطرقة والسيف / لكنّه يشهدُ لأجل سواد ليلكِ / أن الكرّاتِ كلها تبدأ من نظرةٍ واحدة ).
لغة الشعر تضع منطقها السيمولوجي وتخلق مناخا ووجوداً متميزين ، وذلك لأن القدرة الإبداعية تكمن في السعي إلى بناء النص من خلال احساس قوي وتفكير مليء بالحالة النفسية والصحية للشاعر عند بناء القصيدة ، والنص باعتبار ان الشعر لديه حالة جدال ديناميكي بين القول والفعل ، ولغته تتكون من عدة مكونات وهي التي تجعل النص يسمو فوق حدود الزمان والمكان الثابتين إلى المتحركين، وهذا مانراه واضحاً وجلياً في قصيدة الشاعرة من خلال التعرف على ذات كاتبي المعلقات في تصنيف الأثر كشعارات ويافطات تختزل عدد من المطالب المحددة والمشمولة برسائل فنتازية :
( ما إن تنطقين اسمي / حين تهبّ فيّ قبائل الوجدِ / وتركض خيولُ الفقدِ/ كما تركض ايام طرفة / إلى مصائرها العابثة/ وأتساءل/ أهو الهلاك أم النجاة / ان يفتك بي هذا الحنين / ولا املُك منه مهرباً ).
لقد استمدت الشاعرة بعض الأطر الرمزية الرومانسية في تحديد مرجع الزمان والمكان، وهذه أطر تقليدية خاصة مع انبلاج فجر التيار الرمزي بعد سيطرة الميكانيكا لعقود وقد ظهرت في مثل هذه الكتابات في مؤلف:أزهار الشر للكاتب الفرنسي بودلير ورامبو ومالارميه، وكل هؤلاء حملوا على عاتقهم رسائل مهمة في الكتابات الحديثة التي تتكيء على اللغة واللسانيات والإنسانيات ليكون الزمن محور الكون، حتى أن الشاعرة انتجت درجة إبهام في المعاني، وصلة غير محددة بين المظاهر والزمن، لاعادة إحيائه من جديد، فكان النص يحلق في فضاء كوني ذات مفردات قوية منتقاة من فهمها اللغة مع تراكيب ثنائية في الذاكرة:
( عيناكِ ليستا نافذتين فحسب/ هما مربط ناقةٍ في صحراءٍ لا تُؤثّرُ/ الا التائهين / كي تقودهم الى ظلال من / السراب العذب / فاقع في فخّهما / كما يقعُ قلب شاعرٍ في خيمةٍ تضاءُ/ بفتنةِ اللمعان /ويُقسم في قبيلتِه / أن العاشقَ أصدقُ من جميع/ منابر الحكمة ).
وعِبر تاريخ الشعر هناك من بحث عن الحقيقة في النص الشعري وهناك من بحث عن اللذة، ولا شك أن تطور مفهوم العقل الباطن والانفعال أديا لشيوع إستخدام الرمزية من جهة والاستخدام السوداوي لسريات اللامرئي في مماثلة للبحث عن الكونيات وعن أشكال أخرى من التعسف، الذي يزخر به الوجود تجاه الفرد كمخلوق وكقيمة.
ولا شك أن هناك غاية مشتركة لمجموعة العوامل التي تمثل أدوات الإنتاج للنص ويتم الاستحكام بها من خلال العمل الفني، أي فنية تحفيز تلك المشتركات على إضافة شيء من السحر الإضافي وإن سمّي ذلك بالتناغم أو بالتناقض فهو استثارة مستمرة للدهشة لكي يصبح كل شيء في ذلك المحتوى هاما وفريداً، ولن تكون هناك حاجة لتفسير اللغة، إذ هي تستمر في تقديم عرضها الشيّق بتفكيك دالاتها المألوفة، وهو تحولٌ ليس بالمقصود نحو الغموض والالتباس رغم أنه تحول مفرح بالنسبة للشاعر كون المنتج حراً بما يصل إليه مادامت الغاية البحث عن الجمال والوصول حد الإفراط به ضمن اللايقينيات والأسرار والشكوك:
( أحاول ان اتهجى صمتكِ/ فاذا به معلقةٌ أخرى / تعيدُ كتابةَ العالم / وتصنعُ من رمل الايام/ قصيدةً لايشبهها احد / قصيدةٌ/ لو سمعها زهير/ لقال/ هذه حكمة القلب حين يشتدُ بيانه / وهذا قولُ مَن صبرَ دهوراً/ ثم افصحَ بالمجاز).
إذن فالشعر في جوهره تيه، بقدر ما هو مشروع لا مكتمل لا يتحدد بهدف غائي، تتوقف عنده حركة الشعرية، ومن ثم فهو ضد الحقيقة التي تظهر كموجود يمارس إكراهاته على الكائن الجوهراني الشعري، إن اللاحقيقة في الشعر هي الوجود الأصلاني المنفتح، أو التجلي الأكثر تميزا في تعدديته. فهو دليل الحيوية الناطقة التي تعرّي إمكانات العالم التخيّلية، التي تحدس بالظن، بقدرات الكائن الشعري التنبؤية. والشعر في إحدى إمكاناته واختياراته الكبرى مساءلة حيوية للوجود. فكيف تتحدد هذه المساءلة؟ أو بالأحرى كيف يثير الشعر أسئلة الوجود التي يعيد من خلالها كشف التوتر الحيوي للوجود الناطق؟ وكيف يعبّر نحو الاستنارة المبددة للعتمة؟ فالشاعرة تنحو منحى إبستمولوجي تأويليا تعدديا تفهم الشعر باعتباره ممارسة كاشفة تعيد قراءة الوجود:
( يافتاةَ الفجر / يامن لاتزالُ الخطواتُ تتبعها/ كما يتبعُ الغيمُ طللاً قديماً في دمنةِ/ امرىء القيس / أخاف أن أسرف في الوصف / فلا يبقى في اللغة شيءٌ لغيركِ / ولا تبقى في القصيدة فسحة / ألاّ لإشارة يدكِ / حين تُمرين على قلبي مروراً/ يحملُ من اللطفِ/ ما تحملهُ الريحُ على وترٍ من الرمل )
إذا كانت وظيفة العقل كما حددتها الفلسفات المتعددة تتمثل إلى حد ما في تخليص الإنسان من التشيؤ، وتحريره من قيود التناهي الحسي، ومن البُعد الجزئي للظاهرة، الملموسة، وذلك بوضع الوجود الحسي الملموس موضع التساؤل والشك، ومن ثم يحدث التغيير الذي يمليه تفكير العقل، وهو تغيير في الأغوار الأكثر عتامة وولوج الاستضاءة والإنارة، إذا كان الأمر كذلك حسب هذه الفرضية، فأين تتمثل وظيفة الشعر الجوهرية؟ إن الشعر وهو يلامس الحكمة كالعقل، يخلّص الإنسان بدوره من التشيؤ الملموس، لكنه يتجاوز العقل في تحرير الكائن من التناهي المعقول، ومن سيطرة العقل على الوعي الباطن، وعي إنتاج التخيّل الكثيف، ويحد من سلطته في قمع نوازع التحرر الذاتي، محفّزاً إرادة الإبداع على الخلق الذي ينحرف عن المثال والنموذج والنظام. وهو بذلك يكشف في الظاهرة المعقولة عن جانبها الأكثر إعتاما، داعيا في الآن ذاته إلى وجود لا متناه يحمل سيمياء التعددية التخيّلية، حيث الأشياء تكشف عن ذاتها بالخروج عن دائرة المألوف المعقول، وهو ما يعني تخلص من ما يسميه فلاسفة النظرية النقدية – العقل الأداتي أو العقلانية التقنية:
( تسأليني / ماذا ترى في عيني /وأجيب/ أرى حلمَ طرفة حين قال إن العمرَ راحلٌ / لكنّ المتعةَ في الانطلاق / وأرى عنترة / يستعيدُ سيفه لا ليقاتل / بل ليقسم / أنّ الهوى اشدّ مضاضة من الحديد ).
يرى ابن سينا: ( أن التخيّل هو جوهر الشعر، وقيمة التخييل لا ترجع إلى القائل وإنما إلى ما يخلفه السامع من انفعال نفساني لا علاقة له بالعقل، فالشعر لا يخاطب العقل، ولكنه يخاطب الشعور، وهو إنما يصل إلى ذلك بما فيه من قوة المحاكاة من جهة، والنفس الإنسانية من ميل فطري إلى محاكاة من جهة أخرى، ووسيلته في ذلك تجريد النفس من عنصر الإرادة والإختيار، فكأنه يبغي أن يصل إلى نفس المتلقي بطريقة مباشرة دون اختيار عقلي، ذلك أن الشعر أصلا قول مخيّل يشترط فيه صدق أو كذب. ويؤكد ابن سينا على ذلك بأن التخيّل الذي يخاطب النفس والتصديق الذي يخاطب العقل، ويذهب بعد ذلك إلى التأكيد على ضرورة أن يسلك الشعر طريق التخيّل ليؤثر في النفس سواء أكان بعد ذلك صادقا أم كاذبا ومن ثمة فإنه إن توفر عنصر التخيّل ليكون الفيصل بين الشعر والأقاويل:
( ارى ناراً صغيرة/ لو نفختِها / لصارت مَتاعا للسائرين في بردِ الليل / ولو تركـتِها / لصارت قبيلةَ ضوءٍ / تخافُ منكِ العتمة )
يرى أدونيس إذن في الشعر قدرة على تجاوز الواقع إلى خلق المكان بواسطة الكلمة، فبالشعر تحول العالم إلى قصيدة تتكلم، ستكون اللغة إذن، أداة أساسية لخلق الامكان، وإذا لم يكن من لغة فلن يكون الشعر، وللتأكيد على الإنفصال القائم بُني الواقع العيني وما يمكن أن ينقله الشاعر لنا يقول أدونيس: ليس الواقع، بوقائعه وحقائقه الثابتة، مقياسا لصدق الشعر. وليس التطابق معه معياراً لشعريته أو جلودته. فللشعر واقع آخر، غير الواقع العيني، الجاهز المباشر وهو يبحث ويقوم في منظور هذا الواقع الآخر وخصوصيته وشرط الشعر ان يكشف لنا مجهولا، لأن الشعر الذي يقدّم لنا المنكشف المعروف لا يكون الا ترتيبا آخر ولا يكون بالتالي شعراً:
( فاسمحي لي أن أقول / إن حضوركِ / ليس مروراً عابراً على روحي / بل هو معلّقة عاشقٍ / لا تعلق على استار الكعبة / بل على نبضي/ وتُتلى كلّما اقترب الليل / وأراد القلبُ ان يتذكّر / لماذا خُلقتِ النساء ضوءًا / وخُلقَ الشعراء ظلالاً تتبعهن ).
فالشعر هكذا غريب لأنه يكشف الحجاب القناع عن الواقع، ولأنه كذلك يمتلك القدرة الخاصة على الإيهام، بسبب وجود تلك الرغبة الإسقاطية لدى القارئ، ذلك الذي يرغب أن يتوهم، للخلاص من شرط ما يكون غريبا في وقته. لقد كانت عيون شعراء المعلقات هي التي خدعت الشاعرة فانقضّت على حبات المعلقات الجميلة تريد أن تلتقطها في لوحة فنية بارزة، فتغلبت رغباتها عليها بشكل يفوق قدرة هؤلاء الشعراء على الإستعارة الجوهرية‘ كبُعد سيكولوجي يتعلق بالخبرة الشعرية التي كان يمتلكها هؤلاء الشعراء وجمال معلقاتهم، فأجادت الشاعرة في رسم تلك الصورة الغرائبية التراثية بماضي يعانق الحاضر بمتعة جمالية خاصة.










