إنعام الحمداني
ما سرُّ براءةِ عينيكِ
حتى إذا أقبلتا انفرجتْ في داخلي الجهاتُ الأربع
وتداعى صرحُ صلابتي
كما تتهاوى أطلالُ خَلقاءَ في فجرٍ هاجَ ريحُهُ من دون موعد
في حضرتِكِ
تحرّرتْ كلُّ قواميس لغتي من مفرداتها
كأنّ الحرفَ كان مُقيّدًا في ظِلالِ حَلْقَةِ الملك
حتى جئتِ
فانفلتَ من عُقالهِ
يُطاردُ مجازًا لا يشبههُ
إلا وهجُ فرسٍ في برقِ حُمى امرئ القيس
حين كان يتتبعُ أثرَ الحبّ على الرمل.
يا أنتِ
يا من تمشين على القلبِ
كما تمشي عَينُ لبيد فوق صحراء تتجدّد في العطش كلّما ارتوت
كيف استطعتِ أن تجعلي منّي
سَدَنَةَ دهشةٍ
وأسيرَ ظلّكِ
كأنني فارسُ عنترة
يقفُ بين المطرقة والسيف
لكنّهُ يشهدُ لأجل سوادِ ليلكِ
أنّ الكرّاتِ كلّها تبدأ من نظرةٍ واحدة
ما إن تنطقين اسمي
حتى تهبّ فيّ قبائلُ الوجدِ
وتركضُ خيولُ الفقدِ
كما تركضُ أيامُ طَرَفة
إلى مصائرها العابثة
وأتساءل
أهو الهلاكُ أم النجاة
أن يفتك بي هذا الحنين
ولا أملكُ منه مهربًا؟
عيناكِ ليستا نافذتين فحسب
هما مربطُ ناقةٍ في صحراءٍ لا تُؤْثِرُ إلا التائهين
كي تقودهم إلى ظلالٍ من السراب العذب
فأقعُ في فخّهما
كما يقعُ قلبُ شاعرٍ في خيمةٍ تُضاءُ بفتنةِ اللمعان
ويُقسم في قبيلتِه
أنّ العاشقَ أصدقُ من جميع منابر الحكمة.
أحاول أن أتهجّى صمتكِ
فإذا بهِ معلّقةٌ أخرى
تعيدُ كتابةَ العالم
وتصنعُ من رمل الأيام
قصيدةً لا يشبهها أحد
قصيدةٌ
لو سمعها زهير
لقال
هذي حكمةُ القلبِ حين يشتدُّ بيانه
وهذا قولُ من صبرَ دهورًا
ثم أفصحَ بالمجاز
يا فتاةَ الفجرِ
يا من لا تزالُ الخطواتُ تتبعها
كما يتبعُ الغيمُ طللًا قديمًا في دمنةِ امرئ القيس
أخافُ أن أُسرف في الوصف
فلا يبقى في اللغةِ شيءٌ لغيركِ
ولا تبقى في القصيدةِ فسحةٌ
إلا لإشارةِ يدكِ
حين تُمرّين على قلبي مرورًا
يحملُ من اللطفِ
ما تحملهُ الريحُ على وترٍ من الرمل.
تسألينني
ماذا ترى في عينيّ؟
وأجيب
أرى حُلمَ طرفة حين قال إنّ العمرَ راحِلٌ
لكنّ المتعةَ في الانطلاق
وأرى عنترة
يستعيدُ سيفه لا ليقاتل
بل ليقسم
أنّ الهوى أشدُّ مضاءً من الحديد.
أرى نارًا صغيرة
لو نفختِها
لصارت مَتاعًا للسائرين في بردِ الليل
ولو تركتِها
لصارت قبيلةَ ضوءٍ
تخافُ منكِ العتمةُ.
فاسمحي لي أن أقول
إنّ حضوركِ
ليس مرورًا عابرًا على روحي
بل هو معلّقةُ عاشقٍ
لا تُعلّق على أستار الكعبة
بل على نبضي
وتُتلى كلّما اقترب الليل
وأراد القلبُ أن يتذكّر
لماذا خُلقتِ النساءُ ضوءًا
وخُلِقَ الشعراءُ ظلالًا تتبعهن










