رحيم يوسف / بغداد
بات من الواضح جدا بان تنوع المنجز التشكيلي للفنانة العراقية المغتربة الدكتورة بان الحلي ، يؤشر على وجود طاقات تعبيرية كبيرة كامنة لديها تجد في التعبير عنها ، وهي تعمل على مشروعها الفني الجمالي من خلال الرسم والنحت والخزف بذات القدرة والامكانية المتقدمة على مدار يومها . ومع ان ميلها الواضح يتجه صوب الرسم اكثر من النحت والخزف ، وهو ما يجعلها دائبة على التجريب في مختلف الاساليب كمسارات فنية تنتج من خلالها اعمالها مع وجود ميل واضح باتجاه التجريدية والتجريدية التعبيرية في معظم الاعمال التي تسنى لنا الاطلاع عليها .
الحلي وفي تجارب محددة تذهب باتجاه موضوعات فنية تعبر فيها عن رؤاها بشكل قد يبدو منفصلا عن مسارها العام ، غير انه ليس كذلك اطلاقا ، اقول ذلك باعتباري مطلعا على الكثير من تجاربها الفنية ، ومنها على سبيل المثال تجربة السجين السياسي المكونة من ثلاثة سطوح تصويرية تشكل عمادا لتجربة مهمة لو قدر لها ان تعمل على تطويرها او اذا قررت هي ذلك بمعنى اكثر دقة ، واعتقد جازما بانها ستعمل على هذا المشروع في القادم من الايام ، وكذلك مشروع الموسيقي المكون من خمسة سطوح تصويرية تحاول من خلالها القبض على روح الموسيقى لتجسدها على تلك السطوح ، وهي التجربة التي نكتب عنها في هذا السياق .
سأطرح سؤالا اوليا قبل ان اخوض في تفصيل ما نحن بصدده الان ، الا وهو: الى اي مدى يتمكن الفنان من القبض على الروح الكامنة في الموسيقى ؟ ، واعني تلك الشعلة الوهاجة التي تتغلغل في دواخلنا وتاخذنا عند الاستماع لها بعيدا عن العالم الذي نحن فيه اثناء عملية الاستماع ، والجواب سيكون مختلفا بحسب وعي الذي يجيب عنه ودرجة قربه من الموسيقى مع اننا نفترض مسبقاً بانه قريب منها جدا لدرجة انه يستطيع ان يلمس روحها ويتمكن من تدوين تلك الروح بصرياً ، مع الاخذ بعين الاعتبار بانه هنا لا يعمد الى تحويل الصوتي الى صوري كما هو في تلك الحالات ، بل القبض على تلك الروح وتدوينها بالخطوط والالوان والتكوينات ، ربما كان هذا الانطباع الاول عن سطوح بان الحلي التصويرية التي دونت من خلالها روح الموسيقى من خلال مقطوعة او مجموعة من المقطوعات للموسيقار البولوني فرانز شوبان .
بحسب فاسيلي كاندينسكي فان :
_ اللون هو لوحة المفاتيح ، والعيون هي التناغمات، والروح هي البيانو ذو الأوتار الكثيرة . الفنان هو اليد التي تعزف ، تلامس مفتاحا تلو الآخر، لتُحدث ذبذبات في الروح .
شخصياً ارى بان الحلي قد استثمرت هذا القول جيدا وطبقته عمليا على سطوحها . مع انها لم تدون مفاتيح الالة الموسيقية بل دونت الحد الفاصل بين الاصابع والمفاتيح وهي لحظة حسية تنطلق قبل التقاء الاصابع بالمفاتيح والتي تمثل سيلا من الذكريات التي تنثال لدى العازف اثناء ذلك ، ولعلها مانت مقطوعة ( ذكريات الماضي الشهيرة ) ولذلك كانت المفاتيح تبدو وكانها تتحرك قبل حركة الاصابع تلقائيا قبل ان تلامسها ، الحلي التي تدون شغفها الروحي بالموسيقى لتجسد ، الحركة باللون ، والعاطفة بالتكوين ، لتقدم تجربة حسية بصرية تجعلنا لا ننظر اليها عيانيا فحسب ، بل من خلال ارواح عاشقة للموسيقى وتواقة لها في ذات اللحظة ، لتمثل تلك السطوح نوعا من الذوبان الروحي التي تمزج بين الصوري والصوتي ، وتمسك بها روح الموسيقى وتبثها لنا .










