ثقافية

اشكالية التلقي حول التمركز الذرائعي على المنفعة في سورة الشعراء

اثيرت  اسئلة كثيرة ومتشعبة عن جوهر النقد الذرائعي وخصوصا زاوية التمركز الذرائعي على المنفعة في سورة الشعراء وظنه المثيرين من مقتفي الأثر الذرائعي  في تحويل الآية من مرجعية عقدية إلى معيار أخلاقي وإنساني عالمي، وذلك يتضح من النقاط الاتية:

1. الآية كمعيار فكري لا كحكم كهنوتي

وهذا ما يراه الاستاذ الغالبي، من خلال موسوعته الذرائعية ،وهو  لم ينظر إلى الآيات في سورة الشعراء على أنها حصر إيماني يطوق النقد، بل رأى فيها نموذجاً بيانياً وفكرياً يكشف عن الذرائع اللغوية والأخلاقية للقول والفعل، خصوصاً في سياق الأدب. فـ:

الذرائعية السلبية (وَٱلشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُۥنَ * أَلَمۡ تَرَ أَنَّهُمۡ فِي كُلِّ وَادٖ يَهِيمُونَ…): هي الأدب الهائم، الذي يقول ما لا يفعل، ويفتقر إلى الغاية النبيلة أو القيمة الإيجابية، بل قد يعود بالسوء الاجتماعي أو الأخلاقي.

اما الذرائعية الإيجابية (إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ…): هي الأدب الرسالي الذي يؤمن بالقضية الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية التي يطرحها. “الإيمان” هنا لا يُقصد به الإيمان بالخالق حصراً (ما لم يكن النص نفسه دينياً)، بل هو الإيمان بالرسالة الفنية والالتزام الخلقي بتحقيق منفعة حقيقية (جمالية، نفسية، اجتماعية، فكرية) للمتلقي.

وهذا التفسير هو ما يحرر المنهج من التضييق ويجعله قادراً على تقييم روايات مثل “الغريب” للبير كامو أو مسرحيات العبث من منظور نقدي حر . السؤال هنا “هل تحقق هذه الأعمال منفعة إنسانية في كشف العبث، أو بث روح المقاومة، أو تقديم رؤية فلسفية صادقة؟” اذا  الإيمان هنا هو الصدق الفني والأخلاقي مع القضية المطروحة.

2. الأدب الرصين كعراب للمجتمع (المنفعة الإيجابية)

فيؤكد الغالبي في مؤلفه الثالث من الموسوعة الذرائعي الموسوم  “الذرائعية في التطبيق”  أن “الأدب الرصين عراب للمجتمع، وهو ثلاثي التكوين من سلوك نفسي وتقمص وجداني وعقل معمّد بإحساس عال”.

هذا التعريف يؤكد أن المنفعة الإيجابية التي يبحث عنها المنهج هي المنفعة التكاملية التي تجمع بين البعد النفسي والوجداني والعقلي، وهي متطلبات إنسانية عالمية. فالمسألة ليست مسألة إيمان عقائدي بقدر ما هي مسألة قيمة ووظيفة؛ فالعمل الأدبي غير المؤدب أو غير النافع بالمعنى الإنساني يقع ضمن الذرائعية السلبية، وهو ما لا يتفق مع أصل كلمة “الأدب” التاريخي الذي يعني التهذيب.

3. استيعاب التراث والأدب العالمي

إذاً، لا يجب على المنهج الذرائعي، في تطبيقه الصحيح، أن يخرج كمّاً هائلاً من النتاجات الأدبية من خانة المنفعة. فمثلاً:

شعر امرؤ القيس أو أبو نواس يمكن تحليله ذرائعياً من خلال الكشف عن وظيفته في التعبير الصادق عن تجربة إنسانية أو قيم جمالية، حتى لو كانت التجربة مثيرة للجدل أخلاقياً (مع تصنيفه ضمن الذرائعية التي لم تصل إلى الرسالية الكاملة).

رواية “الغريب” يمكن تحليلها على أنها عمل يحقق منفعة إنسانية في التنقيب الفلسفي عن الوجود، مما ينقله من الهيام السلبي إلى “العمل الصالح” بمعناه الفكري.

خلاصة الرد

إن النقد الموجه للمنهج الذرائعي بالتضييق على الأساس اللفظي للآية القرآنية هو نقد مشروع في سياقه الأكاديمي الغربي، ولكنه يفشل في استيعاب هدف الغالبي الأساسي: وهو تأسيس معيار عربي فكري وأخلاقي للتمييز النقدي يضمن أن يكون الأدب العربي متجهاً نحو القيمة الإيجابية (الرسالية) المستمدة من الفهم الموسع لأخلاقية القرآن، وليس مجرد التقليد الأعمى للمناهج الغربية المادية التي قد تهمل المضمون والوظيفة الإيجابية للنص.

المشكلة الحقيقية تكمن في آليات التطبيق؛ إذ يجب على الباحثين الذين يستخدمون هذا المنهج أن يتبنوا تفسير الغالبي الموسع لـ “الإيمان” و”الصالحات” كـ إيمان بالقضية الإنسانية والالتزام الأخلاقي بها، بدلاً من التمسك بالمعنى العقائدي الضيق الذي وجه له النقد.

 لكننا نحن الذرائعيين لسنا أصحاب مقالة أو قصيدة شعر لنرد على كل راي بل نحن فاتحون لبوابة كبرى هي بوابة النفع فكل يدلي برأيه دون  تقييد أو ضغط بتسقيط قول أو راي.

 فاذا طلب من الناقد الذرائعي الرد بالتحديد، سنبين ذلك بالتفصيل دون مجاملة على حساب النظرية الذرائعية التي فتحت بابا فكريا واسعا  وليس صراعا عقائديا أو تنافسا قوليا او مرور عابر.. ..ان تداول النظرية والحديث عنها سواء بالسلب او الايجاب يعتبر حالة نقدية صحية وإثباتا بان الذرائعية استطاعت هز جذع التحضر والتجديد الفكري والبدء بتيار حرك الركود الفكري لنظريات ما بعد الحداثة الامر الذي اعطاها موقعها بعد التفكيكية…. لذا نطالب بأن يرتفع سلم التفكير العربي إلى هذا المدى متفاخرين بأن النظرية حركت الجمود، حين بدأ الكل ينظر إليها بعين مفتوحة ويشار لنا بالبنان بعد أن عرفت في الساحات الفكرية السبرانية  .

إن مصطلح الذرائعية له وجوه غير قابلة للعد وهو مصطلح شامل في معناه النفعي والمنفعي وقد تناوله القران الكريم في سورة الشعراء واشترحه إلى معنيين :

منفعة إيجابية و  نفعية سلبية

 وقد حدث ذلك التقسيم في القرن التاسع الميلادي اي قبل ١٤٠٠ عام  بينما الغرب اكتشفوا جزءه الفلسفي الاول  سنة ١٨٧٨ اما جزؤه الثاني اللغوي فقد اكتشف في الربع الاخير من القرن العشرين اي وسط السبعينيات ومنه جاءت ذرائعيتنا العربية التي نخوض في غمارها الان ….ولو تناسينا (جون ديوي ووليم جيمس) قليلا  و جذرنا اصلها عربيا  لشاهدنا أن العرب سبقوا  الغرب كثيرا باكتشافه ،فهو جاء من اصل عربي نفعي .وهو مصطلح منفعة شامل يدخل  في كل مكون فوق هذه الأرض لكون المنفعة لاتغادر أحدا فالكل ينفع وينتفع بشكل تبادلي، فقد خلق الله البشر طبقات ليكمل بعضهم البعض في إرساء المجتمعات وتكوينها  ..  وهذا المصطلح له اكثر من الف وجه  و المعروف منها لا يتجاوز عدد الاصابع والنظرية الذرائعية اخذت منه الوجه النقدي فقط ، طبقا لمبدئها الذرائعي الفكري الذي ينص بأن النقد ( تقييم وتقويم ) النصوص الأدبية والأدب مشرب النفع الذي ترتوي منه المجتمعات …..ويعد التمركز النظري: اهم المرتكزات الفكرية والعلمية التي تمنح أية نظرية الهوية الفكرية والاتجاه النوعي  وبدونه ليست لها قيمة تذكر وسيكون عمرها اقصر ، وهو الذي  يعطيها شرفيتها واصالتها وارتباطها الفكري بالمجتمع…. لو قارنا النظرية البنيوية مع الذرائعية لتفوقت الذرائعية في هذا المضمار لكون البنيوية تتمركز على البنية التكوينية وهذا التمركز يعطيها الهوية والمحددات التي تعمل فيها فهي تأخذ بنية واحدة لمكون لغوي او فكري وتخوض في بنيته بالعلاقات التي تخص تلك البنية .ولا يعني هذا بأن الناقد يلتزم بحدود البنية فقط ولا يتحرك نحو مسميات أخرى كالخط الفلسفي أو النفسي أو غيره، لكنها بتمركزها على البنية تقرر مصير النص في الانكماش أو التحرر، لذلك تخسر العمومية في الاستيعاب النقدي بينما الذرائعية تتمركز على المنفعة الشاملة بشقيها الايجابي والسلبي فتفوز بالتحرر التكاملي من الشخصنة بعمومية  المنفعة الشاملة وعدمية نسبيتها لكونها حالة  فكرية مطلقة في جوهر  الشيء.

   أما لو قارنا  النظرية التفكيكية مع الذرائعية لأعطانا التصرف المغاير لأن التفكيك يجتث الوسط الدلالي المعروف  (باللوغوس)  او القصد الذي يعطيها الحق بقطع الخيط الرابط بين الدال والمدلول لتكتمل عملية التماثل بين الثلاثية المسيحية وثلاثية الدلالة  لتعطي الحرية الكاملة للناقد بالشك وتطبيق اللعب اللغوية في النص. ولا يعني ذلك أن  تمركز الناقد في  التفكيك أن يخوض بالثلاثية المسيحية عقائديا…. مع العلم أن العملية الاجرائية النقدية للنص تعرضه  للشك والتلاعب اللغوي وموت الإله اي موت الناقل بحيز المنقول بعكس الذرائعية التي تهتم بالناقل والمنقول معا و تفرض شموليتها المنفعية على عناصر النص من الداخل والخارج وتبتعد عن اللعب اللغوي والعقائدي  والاختلاف وتعطي الكاتب الخلود من خلال نصه واحترام المتلقي… 

فالتفكيكية تتمركز على اجتثاث وسط الدلالة

أما الذرائعية فتتمركز على المنفعة الموجهة من النص نحو المجتمع ونوع هذه المنفعة المتوخاة من النص والنصاص بإطار اخلاقي ولا يعني ذلك أن الناقد يقحم نفسه في الآيات القرآنية لسورة الشعراء ..فالذرائعية مستوعب نقدي يتناول السلب والايجاب والفصل بينهما فكريا وليس الخوض فيهما  عقائديا بل بما ينتج منهما إنسانيا .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان