ثقافية

حسن صفاء حسين… حين يقود الإصرارُ طالبَ السمعية والمرئية إلى خشبة المسرح

محمد رسن

في زمنٍ تُقاس فيه التجارب بعناوينها الجاهزة، يبرز حسن صفاء حسين بوصفه تجربة شابّة تؤكد أن الإبداع لا يعترف بالحدود الأكاديمية الصارمة. حسن، من مواليد 2004، طالب في المرحلة الثالثة / قسم السمعية والمرئية، لم يحصر طاقته داخل إطار التخصص، بل انفتح على المسرح بوصفه فعلاً حيّاً، ومساحة اختبار حقيقية للوعي والخيال والجسد.

منذ بداياته، بدا واضحاً أن حضوره ليس عابراً؛ انطلق بقوة واعتلى خشبة المسرح بثقة ومثابرة، مؤمناً بأن المسرح ليس هامشاً، بل مركزاً للفعل الفني والإنساني. وقد تعامل مع تجربته المسرحية بوصفها مسؤولية قبل أن تكون فرصة، فكان حضوره مشحوناً بالالتزام والانضباط، وبوعيٍ مبكر بطبيعة العمل الجماعي الذي يقوم عليه المسرح.

العمل الأول: أوبريت «سفر الرافدين»

كانت باكورة تجاربه المسرحية من خلال فريق الرافدين للفنون المسرحية، في عملٍ حمل عنوان أوبريت «سفر الرافدين»، وهو مشروع فني جماعي أنجزه عدد من طلبة كلية الفنون الجميلة، بإشراف الدكتورة هند فائز والأستاذ تحسين سعدي.

اشتغل الأوبريت على إعادة تقديم الشخصيات التاريخية والتراثية العراقية برؤية معاصرة، وبمعالجة فنية وجمالية حديثة، لا تستعيد الماضي بوصفه أرشيفاً جامداً، بل تحاوره وتعيد صياغته بلغة اليوم. ولم يقتصر العمل على الأداء المسرحي فحسب، بل تميّز بـ عروض أزياء مسرحية خاصة، استُلهمت من التاريخ والتراث، وقدّمت بصياغة معاصرة وذائقة جمالية رفيعة، جعلت من الزي خطاباً بصرياً مكمّلاً للفعل المسرحي، لا عنصراً ثانوياً فيه.

العمل الثاني: المسرح بوصفه شهادة وذاكرة

أما التجربة الثانية، فجاءت أكثر كثافةً وأقرب إلى الوجدان العراقي، في عملٍ مسرحي يتناول حياة أناس عاشوا تحت وطأة الحصار، ثم اضطروا إلى الهجرة خارج العراق، لينتهوا إلى الموت في المنافي. عملٌ يشتبك مع الألم الجمعي، ويحوّل المأساة إلى لغة مسرحية صادقة.

قُدِّم هذا العمل في الكلية، بإخراج الدكتور علي مجيد، حيث شارك حسن في تجربة تُحمّل الخشبة عبء الذاكرة، وتمنح الجسد مهمة استعادة الغياب، وتحويل الفقد إلى حضور فني مؤثّر.

ولا يمكن قراءة تجربة حسن صفاء حسين بمعزل عن وعيه بطبيعة المسرح بوصفه فناً جمعياً، لا يقوم على الفرد وحده، بل على الإصغاء، والانضباط، والعمل ضمن الفريق. لقد أظهر قدرة لافتة على التعلّم من التجربة، وعلى تحويل الملاحظات الأكاديمية إلى أدوات تطوير حقيقية داخل الفعل المسرحي. في حضوره على الخشبة، ثمّة هدوءٌ محسوب، وحسٌّ عالٍ بالمسؤولية الفنية، ينعكس في التزامه بالتفاصيل الصغيرة قبل اللحظات الكبيرة.

كما يتعامل مع المسرح بوصفه فعلاً أخلاقياً، لا مجرد عرض، إذ يحرص على أن يكون لكل مشهد معنى، ولكل حركة ضرورة. تجاربه، رغم حداثتها، تشير إلى شغفٍ لا يكتفي بالإنجاز، بل يسعى إلى الفهم العميق للعرض بوصفه بنية فكرية وجمالية. ويبدو واضحاً أن اشتغاله في قسم السمعية والمرئية منحه حساً بصرياً ساعده على قراءة الفضاء المسرحي بوعي مختلف؛ فالصورة لديه ليست إطاراً، بل خطاباً، والضوء ليس إضاءةً فقط، بل موقفاً درامياً.

هذا التداخل بين الصورة والمسرح يمنح تجربته خصوصيةً لافتة في بداياتها. وإذا كان الطريق لا يزال طويلاً، فإن المؤشرات الأولى توحي بمشروعٍ فني يتشكّل على مهل، وبثبات. مشروع يؤمن بأن المسرح ليس مكاناً للظهور العابر، بل مساحة للصدق، والعمل، والبحث الدائم عن معنى أعمق للوجود على الخشبة.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان