ثقافية

قصة قصيرة

البقاء تحت الشمس

داود سلمان عجاج

كان يستيقظ قبل أن يكتمل ضوء الصباح، وكان رأسه الذي بدأ الشيب يغزوه، ووجهه الذي لفحته الشمس حتى صار جزءاً من ملامحها، يوحيان بأن جسده اعتاد أن يسبق الشمس إلى الحقل. في حقيقته، كان يرتدي أثوابا قديمة، تشبه أثواب الفلاحين الذين أنهكتهم السنين، لا تميّز فيها ولا اختيار، فالمتاح هو القانون الوحيد. وهكذا، أجيال كاملة تدفع ضريبة الوعود المؤجلة.

بالإضافة إلى ذلك،كان يدير شؤون مزرعته الصغيرة بصمت يشبه ذلك الطقس اليومي، غير أن تعبير وجهه، وكذلك منظره، كانا يفضحان قلقاً مقيماً.حتى أقل الأسباب كانت قادرة على إرباكه، فيظل يقلبها في ذهنه كما لو أنها مطاردة قديمة لا تهدأ.فلم يكن من السهل أن يبقى الإنسان هادئاَ حين تتراكم التفاصيل الصغيرة حتى تصير أثقل من الاحتمال.

وكان عليه، كل يوم، أن يسقي ما عطش من النبات، وأن يعزق الحشائش التي تتطفل على رزقه، وأن ينبش التربة حول كل ساق،لعل الهواء والماء يصلان الى الجذور قبل ان يخذلهما الزمن، فلا فرق عنده بين الطماطة أو الباذنجان أو حتى الباميا، فكلها تحمل المعنى ذاته، إن لم ترع، انقطعت الحياة، وفي اوقات معينة كان يزرع السمسم، ليحصل على بذوره، يصنع منها راشياً يدفئ صباحات الشتاء الطويلة.

وهكذا تدور الأيام لتصير سنينا. فالوجوه هي ذاتها، والأحاديث تتكرر، والأفكار تدور في الحلقة نفسها. والجميع مقتنع أن هذا هو الشكل الطبيعي للحياة. غير أن هذه القناعة تحديداً كانت أكثر ما يؤرقه، ذلك التسليم الهادئ الذي يشبه الاستسلام، فكأنما أخذ يدير ناصية الحياة بمفرده.

ومع مجيء الشتاء، لا بد من تغيير أدواته لا همه.حيث يحرث الأرض مع بدايات الخريف، يبذر الحبوب، ويرفع مع الآخرين أكف الدعاء إلى السماء، فإن جادت الغيوم، جاء الخير، وإن شحت، طوى خيبته بانتظار شتاء آخر. وكان الانتظار جزءا من المهمة، مثل التعب تماماً.

وعند الغروب، يعود إلى داره مثقلا بالإرهاق.وكان يحاول أن يتجرد من أفكاره، كأن الإحساس بدأ يضعف من كثرة الاستعمال.يشاركه أهله التعب ذاته.يجلس قرب التلفاز، يصغي الى نشرة الأخبار بحثاً عن خبر يخفف ثقل الحمل المقيم فوق صدره. وقد كان يلاحظ أكثر مما يتكلم، حتى صار صمته مفهوما في كل حركة.وأحياناً، يخرج عن المألوف، فيحرك ذراعيه في الهواء كمن يرسم أشكالاً غير مكتملة،ثم يمحوها حين لا يجد لها معنى.وقد يهمس بكلمات لا تُسمع، حينما تأخذه الجرأة لحظة انفلات:

– هذا حلم، لا يزال حلماً.

لم يكن يسمع سوى ضوضاء تتسلل إلى رأسه على هيئة صراخ، فالأسرة قد تعلمت آليات النجاة، فآثرت إغلاق النوافذ التي تطل على القلق.لذا أخذت تفضل مسلسلا بدويا قديماً، يعيد الحكاية ذاتها ليلة بعد أخرى، مما يمنحهم انتظاراً آمناً، ويخفف وطأة رتابة الأيام، قبل ان يداهمهم النوم المبكر استعدادا ليوم يشبه سابقه.

وكانت لديه طموحات تتجاوز خط التقاء السماء بالأفق، تلك الدائرة الضيقة التي رسمتها الظروف بعناية. أما الآخرون، فبقوا داخلها، لا يعرفون عن العالم سوى شذرات متناثرة، وأخبار يتداولها سكان البيوت المتباعدة.وكانت الدوافع تتوالد داخله، كأنه محكوم بالسير إلى الأمام.يمني النفس بجرعات أمل، ولو كانت مجرد بداية.فهو يدرك أن الطريق طويل، وأنه طريق يصدح بالرفض، لكنه مع ذلك يرسم حلما يختصر المسافات، حتى وإن تأخر، لئلا يشعر بثقل السنين. غير أن الخوف المتجذر على من حوله كان يقيد ما يدور في داخله.

وفي لحظات صفائه النادرة، كان يدرك أن الفقر لا يسلب المال وحده، بل يسلب الجرأة أيضا.وأن الخوف، حين يقترن بالحاجة، يتحول إلى نظام غير مكتوب، نظام يترسخ كلما ازداد الانشغال بلقمة العيش، وضاق الوقت عن التفكير فيما هو أبعد من الغد القريب.كان الخوف هنا أشد من ساحات الحرب، فبالحرب ينتهي مع اللحظات الأولى، أما في محيطه فيتوالد ويكبر مع كل يوم.خوف يجعل الآباء يخفون أسلحتهم التي تحميهم من الذئاب في التربة خشية ان يراها عين شرطي عابر، فيحاولون أن يخفوا أثر أقدامهم وربما ظل أجسادهم:

– لا غرابة، فالهلع متوارث.

ولهذا وجد نفسه غريبا في التفكير والتوجه.فالشغل حين يتحول إلى نجاة، يصنع عمى شبه دائم عن رؤية الحقائق، خاصة تلك التي تتعلق بالحق لا بالخير فقط، هكذا كان يكرر على اسماع الفلاحين، فيجيبونه بقلق:

– ألا تخاف؟ فلا شيء يشرق هنا.

توقف لحظة، فكر، ثم قال بصوت عال، كمن يختبر صدى كلماته:

– اقلعوا جذور الخوف من تفكيركم، فالحق لا يُعطى لمن يسكت.

فيسألونه بدهشة:

– وكيف ذاك؟

ليجيب:

– حتى لو بالضجيج.

انطلقت هذه العبارات في شهقة الانفعال المنفجر، مشحونة برجاء مكبوت، كأنها محاولة لئلا يخيب أمله بعد انتظار طويل. لم يكن يريد أن يوهم نفسه بأن الأمل قد يتلاشى، فقناعة أن الفقر دون مكافحته يعتبر أفيون، والطبيعة لم تخلق مكاناً يتسم بالثبات، بعدما شعر أنه بدأ يستعيد شيئاً من ذاته المفقودة.ظل يعمل بذات الجهد، وبذات التفكير. تأخذه فكرة وتتركه أخرى. كان يرى ما لا يراه القريبون منه، لا لأنه أذكى، بل لأنهم انشغلوا بالبقاء حتى تعطلت لديهم القدرة على السؤال.

وهكذا، ظل الفقر يشغلهم، والخوف يحرس هذا الانشغال، حتى تبقى كل الأوجاع تحاصرهم، لكن هناك بدأت شكوى داخلية في يقظته تؤرقه، إذ أصبح يخشى أن يصل إلى مرحلة لا يستطيع أن يعتمد على فهمه الشخصي إلا بالقدر القليل، خشية أن يكون البقاء تحت الشمس طقس يومي، يقاس بمرارة العرق وثقل السنين، ليكون الحقل الشاهد الصامت على معنى أن تظل تحتها، لا لكي تحيا، بل فقط لكي يبقى.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان