ثقافية

مرونة الهوية وسرد النجاة

قراءة في رواية ما لا ترويه المدينة للروائي تحسين علي كريدي حمدي العطار

ما قبل النقد

مقدمة

لم تكن الهوية في العراق، بعد العام 2003، معطى ثابتا أو تعريفا محايدا، بل تحولت إلى عبء وجودي وسؤال حياة أو موت. في هذا السياق المأزوم، تبرز رواية ما لا ترويه المدينة للروائي تحسين علي كريدي بوصفها نصا سرديا يشتغل على تفكيك الهوية لا بوصفها انتماء ثقافيا فحسب، بل باعتبارها آلية نجاة، وقناعا مؤقتا، وعبئا نفسيا يرافق الفرد في لحظات الخطر القصوى.

مرونة الهوية بوصفها قناعة لا قدرا

تتشكل الهوية الأولى للإنسان داخل بنية الأسرة، من الأب والأم، ثم تتوسع لتغدو إطارا يمنح الأمان، ويحفظ الكرامة، ويؤكد الذات. غير أن هذه الهوية، ومع نضج الوعي وتراكم التجربة، تتحول – خصوصا لدى المثقفين – من قدر صارم إلى قناعة مرنة، قابلة للتأويل والتكيف وفق الظروف التاريخية والاجتماعية.

من هذا المنظور، يبني تحسين كريدي سرديته، جاعلا من بطله حمزة نموذجا لإنسان اضطر إلى المناورة بهويته، لا بدافع الانتهازية، بل بدافع البقاء. فحمزة يحمل لقبين:

سني في جواز السفر (النجدي)

شيعي في الهوية الوطنية (الموسوي)

هذه الازدواجية لم تكن ترفا سرديا، بل كانت ضرورة وجودية أنقذت حياته في زمن الاستهداف الطائفي، حيث أصبح الاسم، واللقب، وحتى مخارج الحروف، علامات خطر.

الهوية كوثيقة نجاة

تتجسد مفارقة الهوية بوضوح في مشهد حصول حمزة على جواز سفره من السفارة العراقية في دمشق. فالجواز، الذي يفترض أن يكون وثيقة رسمية محايدة، يتحول إلى أداة إعادة إنتاج للهوية دون علم صاحبها. إذ يدرج لقب “النجدي” بدل “الموسوي” من تلقاء الموظفين، في مفارقة تكشف هشاشة الانتماء حين يختزل في خانة إدارية.

هذا التحول غير المقصود يصبح لاحقاً طوق نجاة، ويمنح البطل قدرة على العبور في طرق “حاشدة بالموت”، حيث لم يعد السؤال: من أنت؟ سؤال هوية، بل سؤال مصير.

الهوية الملتبسة والمشهد الدرامي

لا يختزل النص الهوية في الأسرة، بل يوسعها لتشمل الدين، والطائفة، والعشيرة، والسلوك اليومي. وفي لحظة ذروة درامية، يواجه حمزة مجموعة مسلحة، يسأل فيها عن هويته، ويفتّش جسده قبل أوراقه. كادت “التربة” – علامة دينية صغيرة – أن تودي بحياته، لولا ارتجاله السريع لرواية بديلة، ثم اجتيازه الاختبار الأخير بقراءة سورة الفاتحة وختمها بكلمة “آمين”، في إشارة دقيقة إلى أن الطقس الديني نفسه يتحول إلى أداة فرز طائفي.

هنا لا يقدم الروائي مشهداً توثيقياً فحسب، بل يكشف كيف يتحول الجسد، واللهجة، والطقس، إلى علامات إدانة محتملة، وكيف يجبر الفرد على تمثيل هوية لا يؤمن بها كي ينجو.

خاتمة

بهذا السرد، يضعنا تحسين علي كريدي أمام معضلة صراع الهويات في العراق ما بعد 2003، حيث لم تعد الهوية شأنا ثقافيا أو وجدانيا، بل عبئا يوميا يفرض على الفرد إعادة تعريف نفسه باستمرار. إن عودة حمزة إلى العمارة، إلى العشيرة والأصل، لا تمثل حلا بقدر ما تكشف حجم الخسارة التي تكبدها أصحاب الهويات المزدوجة، أولئك الذين وجدوا أنفسهم معلقين بين ما هم عليه حقا، وما يطلب منهم أن يكونوه كي يبقوا أحياء.

ما لا ترويه المدينة ليست رواية عن مدينة صامتة فحسب، بل عن بشر أُجبروا على الصمت، وعن هويات صارت مرنة حد الألم، وقابلة للتشكل حد النجاة.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان