ثقافية

‘غبار الخيول’ إدانةُ العقلِ الواحد في مَتاهاتِ السرد

حسن غريب

تعد رواية “غبار الخيول” للروائي علي لفتة سعيد نصاً مفصلياً في خريطة السرد العراقي المعاصر. فالنص يشكل مختبراً فلسفياً لفحص أعمق جراح الوعي العربي: صدمة التاريخ المتكرر. الرواية تندرج ضمن أدب ما بعد الصدمة الذي لا يكتفي بوصف الخراب، بل يعيد تشريح آليات إنتاجه، مركزاً على أن الجغرافيا هي ضحية دائمة لسرديات العنف الكبرى.

​تبدأ الرواية وتنتهي في إطار مكاني مشحون بالرمزية (من العراق إلى تونس والعودة)، لكنها في جوهرها رحلة داخلية يقوم بها الشاعر “أمجد”، الذي يحمل على كاهله ثقل التاريخ، ممثلاً في صوت “الجنرال” المُتهكم.
العنوان “غبار الخيول” هو المفتاح الدلالي المركزي؛ فالخيول ترمز للقوة والحركة التاريخية، لكن “الغبار” هو النتيجة النهائية لكل هذه الحركة: التعتيم، ضبابية الرؤية، والفوضى التي تُعمي البصيرة عن رؤية الحقيقة الجوهرية. الرواية هي صرخة لإزالة هذا الغبار عن العقل.

1 – البناء السردي:

الذات المتعددة والمونولوج البوليفوني

​إن البنية السردية للرواية كسر واضح لبنية السرد الخطي، حيث يسيطر أسلوب المونولوج المتعدد على مساحة النص. لا يتحدث أمجد مع نفسه فحسب، بل يقاتل داخلياً مع أصوات متعددة تمثل مرجعيات متضادة، ليتحول ذهنه إلى قاعة محكمة دائمة، وهو القاضي المتعب الذي يجب أن يبت في أحكامها.

​يُعد الجنرال الرمز الأقوى لتفكك الذات الساردة. إنه ليس مجرد صوت داخلي، بل هو تجسيد لآلية التغريب الناتجة عن الصدمة. الجنرال يمثل الصوت الساخر، العابث، والمتهكم الذي وظيفته السردية ليست دفع الحدث، بل شله؛ فهو يدفع أمجد إلى السطحية والتشكيك في كل موقف نبيل، ويمثل بذلك ذاكرة الصدمة التي تسعى إلى تدمير البناء الفكري لأمجد خوفاً من مزيد من الألم [1].

​وتتوزع بقية الشخصيات لتمثل أقطاب الصراع الفكري. والي يمثل الراديكالية الثورية وواجب المواجهة حتى الموت، مغرياً أمجد بالدخول في المعترك السياسي الساخن. في المقابل، يمثل عبد الناصر وشامل صوت التصوف العرفاني والاعتزال، حيث يريان الخلاص في الهدوء والجوهر الشعري، ليمثلا الملاذ الروحي. أما مسعد فيمثل العبثية واليأس المطلق، حيث يرى أن الشعر أكذوبة أمام قوة القتل، مجسداً بذلك الهاوية التي يخشى أمجد السقوط فيها؛ نتيجة الاستسلام التام لـ “غبار الخيول” المدمر.

​كما أن الجغرافيا في الرواية لا تعمل كخلفية،فالمطار في المشهد الختامي يعمل كـ “برزخ” سردي، مكان يفصل بين الحياة القديمة والعودة الجديدة. تزامُن تفجير بغداد مع تفجير شارع محمد الخامس في تونس ليس مصادفة، بل هو تأكيد قاطع على فرضية الزمن الدائري التي تشغل أمجد [2].

تونس، التي كان يُنظر إليها كمهد للتغيير، تصبح مرآة تعكس خرائب العراق. هذا التفكيك للمركزية الجغرافية يؤكد أن العدو أصبح أيديولوجياً لا جغرافياً.

​ -2 الفضاء الفكري: أزمة “العقل الواحد” وإدانة “الخرافة”

​تشتغل الرواية على مستوى الميتا-سردي عبر طرح الأسئلة الوجودية المتعلقة بجدوى الفعل الثقافي والسياسي، مركزة على تفكيك مفهوم “المجد” في التاريخ. إن هوس أمجد التاريخي بالتساؤل عن طارق بن زياد (“هل كان فتحاً أم غزوًا؟”) ليس سؤالاً بريئاً، بل هو مدخل لإلغاء القداسة عن كل فعل عنيف يتم تبريره لاحقاً باسم الدين أو الوطنية. يخلص البطل إلى أن كل هذه السرديات الكبرى، من أيام جلجامش إلى الاحتلال الأميركي، تؤول إلى نفس النتيجة: تبرير الهيمنة وتكريس الفوضى.

​إن الرواية تصل إلى استنتاج مفاده أن الخرافة ليست نتاج جهل عفوي، بل هي “صناعة متعمدة” لغسل العقول، وهي الخديعة التي تجعل الشباب يبحثون عن الموت باسم القداسة.

حتى تناقضات طلاب الدين في الحوزة (حيث يتزاحمون على مبلغ زهيد رغم زعمهم الزهد) تُستخدم كنقد لاذع يوضح أن الأزمة ليست في النص المقدس، بل في توظيفه السياسي والمادي الذي يكرس العقل الواحد [4].

​تصل الرواية إلى ذروتها الفلسفية في المقطع الختامي، حيث يحدد أمجد بوضوح مصدر الأزمة الحقيقي: محاولة فرض “العقل الواحد”. إن كل الصهيلات التي تثير الغبار (حروب، طائفية، تفجيرات) هي آليات تُمارس لعرقلة الوعي وتجريده من التنوع والتساؤل.

هنا، يصبح دور الشاعر مضاعفاً: لم يعد عليه فقط تسجيل الخراب، بل عليه مقاومة فرضيات التفكير الجاهز.

​- 3 جماليات اللغة: الشعرية كملجأ أنطولوجي

​تتمتع لغة “غبار الخيول” بكثافة شعرية عالية تجعلها أقرب إلى القصيدة السردية. هذه ليست مجرد زينة أسلوبية، بل هي جزء أساسي من رسالة الرواية.

​إن مقولة “اللغة قميص الشعر” تمثل بياناً فنيا للروائي؛ فاللغة هي الحيز الذي يحمي الجوهر (الشعر/الروح) من التلوث المحيط، وهي الدرع الواقي الذي يجب أن يكون قوياً ومحكماً [2]. ولهذا نجد في السرد تكثيفاً شعرياً عالياً، واستخداماً لصور مركبة مثل “العزلة ماكنة الخياطة”، مما يؤكد أن أمجد يرى العالم بعدسة الشعر.

​يتسم إيقاع النص بكونه سريعاً ومضطرباً، وهو نتاج طبيعي لتزاحم الأصوات في رأس البطل، مما يجعل القارئ شريكاً في حالة الهلوسة الفكرية. هذا الاضطراب اللغوي هو انعكاس للصدمة السيكولوجية التي لا تسمح بتموضع هادئ للغة.

​ خاتمة رؤيوية نقدية:

 الوداع شوق آخر والعودة إلى الجمال

​في النهاية، يختار أمجد الموقف الأصعب: الانسحاب إلى الجمال العرفاني والشخصي [3].

 رفضه مصاحبة مسعد (رمز اليأس والعبث) هو إعلان عن رفض طريق الاستسلام. عودته إلى كربلاء وزوجته وابنه لا تعني نهاية للصراع، بل هي بداية لمرحلة جديدة من المقاومة عبر إعادة بناء الذات المتشظية.

​”غبار الخيول” هي رواية إدانة للتاريخ الذي لا يتعلم، وإدانة للأيديولوجيا التي تقتل.

وهي في الوقت ذاته، دعوة للبحث عن الخلاص في الشعر وفي الأسئلة التي لم يجب عنها التاريخ، خاصة تلك التي يمكن أن تُكتشف “على وجه طفلة يتيمة راح أبواها بانفجارٍ ملعون” [5]. إنها شهادة حية على أن الذاكرة، رغم صهيلها وغبارها، قادرة على توليد الوعي الجديد.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان