ثقافية

دراسة ذرائعية مستقطعة لقصة “الشارع الترابي” للقاص والناقد  داوود سلمان الشويلي

هيثم محسن الجاسم

مقدمة

يندرج نص «الشارع الترابي» لداود سلمان الشويلي ضمن السرد الواقعي ذي البعد الاجتماعي، غير أنّه لا يكتفي بوصف الواقع، بل يُنشئ عبر بنيته السردية فعلاً إنجازياً نقدياً، يقوم على كشف التناقض بين القيم المعلنة (الاجتهاد، التعليم، الخدمة) والنتائج الفعلية التي ينتجها النظام الاجتماعي.

وتُعدّ الذرائعية منهجاً ملائماً لقراءة هذا النص، لأنها تنطلق من النص بوصفه فعلاً، لا مجرد حكاية، وتفحص مقاصده، وآثاره، وآليات اشتغاله داخل سياق ثقافي واجتماعي محدد.

أولاً: المدخل الذرائعي  (السياقي)

ينفتح النص على شارع ترابي بوصفه فضاءً ذرائعيا حاملاً للمعنى، لا خلفية محايدة.

الشارع:

متشقق، موحل، آسن → مؤشر على العطب الاجتماعي

يتغير شكلياً (يُعبد بالإسفلت) دون أن تتغير بنيته (الساقيتان الآسنتان) → تحايل شكلي على الإصلاح

ذرائعياً، المكان هنا ليس وصفاً جمالياً، بل حجة سردية تُسند رؤية النص:

التغيير الشكلي لا ينتج تغييراً وظيفياً.

ثانياً: المستوى  الذرائعي المقصدي:

يقصد النص إلى:

مساءلة مفهوم النجاح

تفكيك العلاقة بين التعليم والارتقاء الاجتماعي

فضح مفارقة القيم في المجتمع

القصد لا يُصرّح به مباشرة، بل يُنجَز عبر التكرار الحواري بين أبي أحمد وعواد، حيث يتحول السؤال البسيط:

«ما هي أخبار أولادك؟»

إلى أداة ذرائعية لقياس انحراف المعايير.

ثالثاً: المستوى البنائي (ذرائعية التوازي والتكرار)

يعتمد النص على بنية التكرار التحويلي:

ثلاث لقاءات

سؤال واحد

أجوبة مختلفة

نتائج معكوسة

هذا التوازي ليس اعتباطياً، بل يحقق:

تراكم الدلالة

تصعيد المفارقة

تثبيت الحجة السردية

فالنجاح الدراسي المتكرر لأحمد يقود إلى الفقر،

بينما الفشل الدراسي يقود إلى السلطة والنفوذ.

رابعاً: المستوى الإنجازي (الفعل الكلامي)

وفق الذرائعية، كل خطاب يحمل فعلاً إنجازياً.

الفعل المركزي في النص هو فعل الإدانة الضمنية.

كلمة عواد المتكررة:

«الحمد لله»

تؤدي فعلاً مزدوجاً:

ظاهرياً: الرضا

ذرائعياً: السخرية الصامتة من نظام مختل

إذ تتحول العبارة من فعل ديني إلى علامة فراغ أخلاقي.

خامساً: المستوى القيمي (ذرائعية المفارقة الأخلاقية)

يبني النص منظومة قيمية معكوسة:

الطبيب الفقير = نزاهة / خسران

البرلماني الفاشل دراسياً = نفوذ / ربح

الذرائعية هنا تكشف:

أن القيمة لا تُقاس بالفعل الأخلاقي، بل بالنتيجة السلطوية.

وهذا جوهر الرسالة النقدية للنص.

سادساً: المستوى الذرائعي للشخصيات

أبو أحمد

شخصية ثابتة

تمثل المواطن الملتزم بالقيم التقليدية

ضحية الزمن والتحولات

عواد

شخصية متحولة شكلياً (زبال – حصان – سيارة حديثة)

ثابت قيمياً (المراقب الصامت)

يؤدي دور الشاهد الذرائعي

سابعاً: المستوى الرمزي

الشاي: الاستمرارية / الروتين / الزمن

القوري: تطور شكلي مقابل ثبات المضمون

السواد (الماء، الإسفلت، الشارب المصبوغ): قناع الحداثة

خاتمة

وفق القراءة الذرائعية، لا يروي نص «الشارع الترابي» حكاية شخصين، بل يُنجز فعلاً نقدياً اجتماعياً، يعرّي اختلال العلاقة بين الجهد والنتيجة، وبين القيمة والمكافأة.

إنه نص يحتج لا بالخطابة، بل بالمفارقة، ولا بالإدانة المباشرة، بل بالفعل السردي المتراكم، محققاً بذلك أحد أهم مبادئ الذرائعية:

أن يكون النص حجةً فاعلة داخل واقعه الثقافي.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان