ثقافية

الفنان التشكيلي التركي ستشكين بريم : أحمل في داخلي ورشة لا تهجع

يعدّ الفنان التشكيلي التركي ستشكين بريم من أهم الفنانين الأتراك في مجال الفن التشكيلي في الوقت الراهن وهو دائم الانهماك في فنه، إذ يحب البقاء في ورشة العمل؛ لأنه في حالة دائمة من التخطيط والتنفيذ، ويعيش كمن يحمل في داخلهِ ورشة لا تنام ، بحسب تعبيره في هذا الحوار:

* كيف تبلورت أساسيات ممارستك الفنية؟ وما التجارب التي أثّرت في تعليمك ودخولك عالم الفن؟

–  لقد بدأت أمارس هذه المسيرة الفنية في مدينة (كوزغو نجوك) لأنّي ولدتُ ونشأتُ فيها، كما اشتركتُ في العديد من ورش العمل، ممّا أثار فضولي الشديد تجاه الفن. لقد عملتُ بوصفي متدربًا في ورش العمل لمدةٍ طويلة، وعملتُ أيضا مع شخصيات مرموقة، وطالما حلمتُ أن أصبحَ نحاتًا مشهورًا، وبعد هذه المسيرة تعزّزت أسس ممارستي الفنية أكثر فأكثر في جامعة (معمار للفنون الجميلة). كذلك درستُ في المدرسة الثانوية للفنون الجميلة، وقد مررتُ بخطوات ثابتة في مسيرتي الفنية.

* ما المفاهيم والمواد التي تركز على استخدامها في عملك الفني؟ وما الاستراتيجية التي تتبعها في دمج اشكال الفن التقليدية مع التقنيات الحديثة؟

–  في الواقع إنّ الفن يزدهر في حياتي بقدر ما تتسع تجاربي، وبمعنى آخر مع تغير الأمور في حياتي، تتغير المنحوتات أيضًا، فكلما تسللت الألوان إلى الحياة انعكست بأطياف جديدة على المنحوتات، ومن هنا تنبع المفاهيم أيًا كان مايشغلني في ذلك الوقت، أو مهما كانت التغيرات التي أواجهها في حياتي، فأنا أتعامل مع طريقة تفكيري عن طريق تلك المفاهيم. كما إنّ الممارسة العامة، والمضمون الفرعي للمعرض ينبعان من كل هذه المفاهيم، على سبيل المثال يعكس معرضي الأخير هذا (معرض البناء اليوميّ) عنايتي بالمدن القديمة، ويوضّح الأسئلة التي أطرحها بناءً على هذه العناية، ومقاربتي للأسئلة السلبية التي اطرحها اليوم، وبينما تتوالى في ذهني تلك الأسئلة، واقلبها بين الفكر والتعبير، واستنطقها بصمت، وابحث لها عن مخرج تتماهى فيه المنحوتات مع السطح كأنها جزء أصيل منه. وبغض النظر عن هذا، أفكر أيضًا في مزج أشكال الفن التقليدي، والتكنولوجيا الحديثة على النحو الآتي وبالطبع استخدم كليهما، وأحب البقاء في ورش العمل؛ لأنني شخص في حالة دائمة من التخطيط والتنفيذ، واعيش كمن يحمل في داخلهِ ورشة لا تنام في تطور مستمر، ولهذا السبب أحبّ الحِرَف اليدوية، وأعتقد أنّها مهمة جدا، واستخدم هذا الجزء من الحرف اليدوية في ورش العمل بوصفهِ نوعًا من التأمل. إنّ قصّ تلك الأوراق وتقطيعها ولصقها يمثل لي زاوية خاصة للتأمل الذهني والروحي، ولحظة تأمل شخصية، أحاول فك رموزها، فأنا من أشدّ المعجبين باستخدام التكنولوجيا حتى وإن لم تغير التكنولوجيا التي استخدمها شكل العمل اليدوي بأيّ شكل من الأشكال، وإن كانت النتيجة النهائية هي نفسها فأنا أحب الوقت الذي توفره لي؛ لأنّ الوقت الذي أكسبه من بعض المنحوتات التي اصنعها بهذهِ التقنية يمنحني فرصة لفكرة جديدة، ومنحوتة جديدة لذلك وبصراحة لا أملك أية أفكار سلبية بشأن دخول هذهِ التقنية في الفن المتعلق بالإنتاج.

*ما رأيك بوظيفة الفن على المستوى الاجتماعي والفردي؟ وهل ترى أنّ لأعمالك أثرًا اجتماعيًا في طريقة تفاعل الجمهور معها؟

– حين انظر إلى الأمر من زاوية المتلقي أجد أن من أبرز ما يميز الفن ويمنحه أثره العميق، قدرته على إثارة الأسئلة، بمعنى آخر يدفع المشاهد الى طرح الأسئلة، مثلًا أول سؤال؛ ما هذا؟ فعندما ينفرد المشاهد بالعمل الفني في عزلة تامة بعيدًا عن الضجيج، وكل وسيط في لحظة صفاء بين العين والعمل الفني بلا حواجز، فيبدأ بطرح هذا السؤال على نفسه، حينها تتضح له الإجابات، وأعتقد أنّ سؤال (ماهذا؟) سؤال بالغ الأهمية في العالم؛ لذلك يمكننا أن نعد لقاء الفن بالمشاهد بشأن هذا المفهوم بمثابة الخطوة الأولى نحو تجربة التنوير المفاجئ لهذا السبب وأنه أمر بالغ الأهمية. هناك مثال ذكرته عندما تقارن بين شخصين يدرجان الفن في حياتهما ويجعلانه جزءًا لا يتجزأ من حياتهما، لكنهما يعملان في مهن مختلفة تمامًا لنفترض طبيبين أحدهما مهتم بالفن والآخر على عكسه، فهناك اختلافات كبيرة في عمل الشخص المعني بالفن ونظرته إلى الحياة. لهذا السبب أعتقد أنّ للفن دورًا فاعلًا للغاية في المجتمع وهذا ينطبق أيضًا على الفنانين، وبمعنى آخر، فإنه بالاضافة الى إنتاج الأعمال الفنية، أطرح على نفسي في كثير من المعارض التي أرتادها بوصفي مشاهدًا الأسئلة ذاتها، وأمنح الإجابات مكانًا في داخلي دون أن أبوح بها أو أفكر فيها. وكما ذكرتُ يضيف هذا الأمر بعض التنوير، لذلك أعتقد أنّ له أهمية  بأعمالي الخاصة وأنْ استخلص المفاهيم من عالمي الخاص، وأعرضها في المعارض. وأعتقد أنّ هذه المشكلات والتحديات هي بالتأكيد مشكلات شخص آخر في مكان آخر من العالم ولهذا السبب تلتقي الأعمال الفنية بالمشاهدين. إذ أنّ المشاهدين الذين يشاركونني المشكلات نفسها، والذين لا يشاركونني هذه المشكلات يبدؤون بطرح أسئلة جديدة والبحث بأنفسهم عن إجاباتها. وفي الواقع بعد نقطة معينة عندما تعرض منحوتة في ركن المشاهدة بمعرض ما اوفي أي مكان آخر نرى أنها تتجسد ككائن يستقل بوجوده ويفرض فضاءً حرًا له وباكتمالها تغدو حضورًا متفردًا يصوغ عالمه الحر الذي يخصه وحده. وهنا تبدو المنحوتة مستقلة قليلًا عن الفنان، إذ تبدأ بإقامة اتصال مباشر مع المشاهد، لهذا السبب، كما ذكرتُ، إنّ الفن قوي جدا بهذا المعنى وهناك أيضًا مفاهيم آخرى قليلة جدًا تدفعك لطرح هذه الأسئلة.

* ما المعنى الذي تحمله الدلالات الذهنية للزمن والذاكرة والتاريخ في اعمالك، وهل تعتقد أنّ العمل على هذه الموضوعات يسهم في إبداعك الفني؟

– إنّ المفاهيم التي ذكرتها هي أيضًا جزء من فكرة هذا المعرض، ألا وهي الزمن والذاكرة والتاريخ كما ذكرتُ، وإنّ أسلوب الحياة في العصور القديمة، وأسلوب الإنتاج مع البطء وإمكانية الرغبة تترك أثرًا للأجيال القادمة مع عدم التسرع في إنجاز أيّ شيء إن لزم الأمر، مثال على ذلك، إذا استغرق بناء مبنى خمسين عامًا فهذا أمر طبيعي جدًا. إنّ هذا المعرض قائمٌ على أسئلة وأجوبة بشأن كيفية تحول مفهوم الزمن بعد كل هذه السنين، وتعدّ تركيا جنة استثنائية لهذا الغرض فإذا زرنا مدنها القديمة وغصنا في ماضينا واستعدنا لحظاته.

* يحمل معرضك (البناء اليومي) آثار الفن القديم والمعاصر، فكيف تبلورت البنية الحوارية المشتركة لهذا المعرض؟ وكيف تحفز الجمهور على إيجاد روابط بين هاتين الحقبتين؟

– إنّ المدن القديمة هي موضوع طالما أوليته عنايتي، فكلما رأيت لافتة بنية اللون أينما سافرت حول العالم ، انتابني شعور يتعلق بالمستقبل، ربما هذا الشعور لن يزول أبدًا وهو شعور بالحياة، أشعر به عن طريق قراءتي، لهذا السبب كان ثمة سؤال يدور في ذهني دائما، بشأن كيفية تطور هذا الشعور، وما المسار الذي اوصله إلى هذه النقطة من الزمن، أو مالذي قاده إلى هذه المرحلة؟ وقبل نحو ثلاث سنوات كنا نحضر معرضًا مع الفريق وظننا أنّ باستطاعتنا إقامته في مدينة عريقة، لكن ذلك لم يحدث آنذاك، ومنذُ ذلك الحين ظل هذا السؤال يشغل بالي طوال الوقت!

أعتقد أنّ هذا المعرض ولد في الواقع نتيجة لذلك، لذا فأنّ معرض (البناء اليومي)، كما يفهم من اسمه، يجسد الحياة اليومية في جميع مجالات هذا العالم. لذا يرسي هذا المعرض صلة بين الماضي والحاضر، ويدفعنا الى طرح هذا السؤال وإن الجسر بين حقبتين زمنيتين هو في الواقع سؤال ينبغي طرحه بين الجانبين الذهني والمفاهيمي للعمل. إنّ أكثر ما يميز المدينة القديمة أو حقبتها تأثيرًا بالنسبة لي، هي الاعمدة التي انبثق منها المعرض بأكمله، وفي لحظة دخولكم الى المعرض، ستشعرون كأنكم تستدرجون إلى عالم قديم، أعتقد أنّ الجمهمور عندما يقرأ نص المعرض ويقيم مابين الحاضر والماضي عن طريق أعمالي، سيبني هذا الجسر تلقائيا كما ذكرت، فهو معرض يوقظ في الناس ملامح ذواتهم النفسية، وهو مرآة تعكس أعماقهم وتدفعهم إلى التساؤل (ماذا أفعل؟).

* تمثل الأعمدة في معرضك من جهة رمزًا تاريخيًا، ومن جهة أخرى توثق الذاكرة وتخلدها عبر العصور، فما الرؤية الفلسفية التي تقف خلف هذا الخيار التصميمي؟

– من الواضح جدًا استيعاب الحقبة الزمنية التي تنتمي إليها الأعمدة والعصر الذي بنيت فيه، ويتجلى بشكل خاص عن طريق تصميم تيجان الأعمدة. لهذا السبب يعد العمود رمزًا خاصًا بحقبة زمنية وهو بالنسبة لي أفضل صورة تصف ذلك العالم. فضلا عن مظهره الخارجي ينماز بوصفه الحامل المحوري في التكوين، أي هو يمثل الركيزة البنيوية للعمل، وهو قوي جدًا في سياقه المفاهيمي. وفضلا عن هذه الوظيفة، فالأعمدة تحمل هيكلًا كاملًا لأنها في ذلك الوقت لم تصنع بوصفها بناءً ليوم واحد، بل استغرق انتاجها سنوات طويلة، لذلك يتمتع جزء الحامل المحوري بموقع مهم يمثل صورة وحقبة تاريخية، ويصمد أمام أثر الزمن الى حدٍ ما، وعليه يرتكز هذا التصميم على فلسفة دعم المجتمع، وإنّ هذه الاعمدة هي عناصر تستحضر الزمن الماضي، وتنبض بروح حقبته وهي بمثابة تجسيد بصري يعيدنا إلى ذلك العصر بكل مايحمله من طاقة زمنية وشعور خاص.

عن التركية

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان