ثقافية

ترميم الانفعالات في “أنا التي خبأت الخرائط”

عدنان الفضلي

تبقى العوالم الشعرية، منذ التدوينات وحتى يومنا هذا مستندة الى الجموح الفكري والتواصل المتكرر مع المحيط البيئي وما فوقه وما دونه، ولا يمكن وضع ما يخالف ذلك في خانة الشعر، فمنتج النصّ الشعري الذي يداهن الجموح ويرضى بنص متردد ومنساق الى السكون لا يستفزّ المخيّلة، سيخلّف للمتلقي نصاً باهتاً لا جذوة تشعل ذلك التلقي المرتقب، كما لا يستكين النصّ نفسه ما لم يزنّر بفلسفة مبنية على الجموح أو متأتية من احتجاجات ورفض وانفعالات متناسلة داخل النص، كون “الشعر يلامس المخيّلة قبل العقل” بحسب “بورخيس”.

في مجموعتها الجديدة “أنا التي خبأت الخرائط” تأخذنا الشاعرة البحرينية فاطمة محسن الى عوالم شعرية لم تغفل ما أوردناه في أعلاه، خصوصاً في موضوعة التناسق مع مقولة “بورخيس” حيث وببصمة شعرية مختلفة تضعنا قبالة ملامسة نيّرة مع مخيلتنا كمتلقين للشعر، فالمجموعة وعبر نصوصها تحتكم الى حالة وعي شعري تثبت إدراكها لماهية الشعر وعلاقته الجادّة بالتشكيل والتنوّع، من حيث اللغة – الأسلوب – الصورة – التراكيب، وغيرها من الاشتراطات التي تسدّ رمق التلقي، فهي تمضي عبر قصائدها الى حيث جموح الخرائط التي تخصّها، وترسم لنا بالصور الشعرية حيوات وأمكنة وانفعالات خالية من الهذيان، ومستدلّة على أماكن اشتغال خرائطي، إنساني البناء والنزعة:

“ضيّعت جغرافيتك

 فاختزلت الوطن في غرفتي

هكذا ترتجف كل الجهات

بحثاً عن خرائط معطّلة في قلبي

عن منعطف يشبه حنيني

عن وطن يلحّ بالسؤال

عن ممرّ يفضح صوتي

عن جهة لا تعرف اسمي

هأنذا أضع خرائطي في حقيبة النسيان

ولا أندم”.

لم تكن الصورة الشعرية عند فاطمة محسن هي المحور الذي تشتغل عليه في مجموعتها الشعرية هذه، بل يتلمس المتلقي المسترخي وليس المتصلّب أنها تميل الى المفهوم الدلالي والجمالي، حتى وأن تجلّت السمة الشجنية في كثير من نصوصها، فالقيمة الحقيقية للتصوير الشعري عندها تكمن عند كونه متراصّاً ومنضبطاً ومتواشجاً مع دلالاتها وسعيها للإيصال عبر مرايا شعرية تخصّها.

ولو تمعنا كثيراً في نصوص المجموعة لوجدنا كيف سعت الشاعرة الى ترميم كثير من انفعالات قديمة وهواجس غافية، وجعلها تستعيد بريقها، حتى لو كان ذلك البريق حزيناً أو مزنّراً بالشجن العتيق، فمن التلكؤ الى المحاولة، ومن التوقف الى الاستئناف، ومن السكون الى المراوحة ومن ثم الإنطلاق، كانت النصوص تجعلنا نثق بالنص على أنه يدلنا على فعل شعري يصعد بنا الى الأعلى ولا يقبل بأي إنزلاق دلالي يقودنا الى الملل أو التردد في المتابعة، بدلالة هذا المقطع:

“هل فكّرت يوماً ..

أنك مجرّد خيال تسرّب من شاعر مجنون

أو فكرة دارت بعقل فيلسوف قبل أن يصلب

أو صدى لحوار بين جملتين، أفسدت عليهما الفاصلة

لذة الوصل.

أنا أفعل، أنا أفكّر بجنون”.

المتابع أو القريب من عوالم فاطمة محسن الشعرية، يعلم علم اليقين أنها مسحورة بالميثيلوجيا، وتوظف كثيرا من الأساطير في نصوصها، من دون أن تنزلق الى عوالم التوليف الشعري التي سقط في هوّتها بعض الشعراء، فهي تدرك أن الكثير من الأساطير وصلت للمتلقي عن طريق الشعر، وأي إنزلاق الى خانة النصّ الأصيل، سيكون فعلاً شعرياً لن يبرره التلقي ولا النقد، وعليه وفّرت الشاعرة على نفسها الخطى الى مرحلة إنتاج نصّها المكتنز بتوظيفات تخصّها، ففاطمة محسن منحدرة من أصول سومرية (دلمون) وبالتالي من حقّها توظيف ما جاء في سفر السومريين، وخصوصاً ملحمة “جلجامش” التي ألهمت كبار الشعراء كيف توظف الأساطير في إنتاج النص خالياً من تراكمات التناص والإنزلاق، وها هي تثبت ذلك بالقول:

“ربما أنا أثر جانبي لزهرة جلجامش

سرقها ثعبان أعمى، فعرفت أن الخلود نظرة عينيك

ثم أدركت أخيراً بأن قصيدة كانت تجرّب الشكّ

فخطر لها أن تكون امرأة

فكنت”.

يعدُّ الاحتجاج واحداً من الخطابات الأدبيَّة التي تترك أثراً عند المتلقي، وخصوصاً المتلقي الذي يعيش في أجواءٍ مضطربة نتيجة الحروب أو الطغيان، فيصير هذا الخطاب مخففاً للآلام التي يعيشها المتلقي أسوة بصاحب الخطاب، وقد يجنح الشعراء الى طرق باب الاحتجاج ليس من الباب المؤدي الى الفعل السياسي، بل هو احتجاج على نمطية العيش في المجتمعات المقهورة، خصوصاً تلك المجتمعات المضطربة نتيجة الحروب وحمم الدم التي تخلفها، كذلك يجنح بعض الشعراء الى الاحتجاج على من يشاركهم هواجسهم ولكنه يقع في “نشازات” تخلخل دفاعات الفعل المشترك، سواء أكان فعلاً شعرياً أو موسيقياً أو حتى تفاعلياً، فيكون الرفض والاحتجاج فعلاً مبرراً لمن يقدم الاحتجاج على أنه ردة فعل على ما يحدث حولنا من خراب ووجع ودمار يتناسل في أرجاء المعمورة، وهو ما جنحت له الشاعرة في هذا المقطع حيث تقول:

“أوقف موسيقاك .. الشوارع أدمنت لون الدماء

حتى الجدار انسلّ من إثر الكتابة فوقه

متهالكا صار الطريق

والكلّ يرقص في جنون

عثرات هذا الوقت تقرصني

أوقف موسيقاك”.

المجموعة غنية بنصوص يتجلى فيها الإبداع، وصور مبهرة تنوعت فيها الاشتغالات الشعرية، ما بين قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة، وبالتالي نجد أن الشاعرة قدمت ما يسمح لنا بالقول: أننا قبالة نتاج شعري مذهل ومثير ومحفّز للذائقة.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان