محليات

صلاح عواد.. صوت الفرات المنكسر وعطر الملح النازف

محمد علي محيي الدين

في ناحية السدة، ذات الصدى المتكئ على ضفاف الفرات، وُلد الشاعر الشعبي صلاح عواد عبيد عباس الطائي عام 1979. لم تمهله الأيام طويلًا ليكمل دراسته؛ إذ كبّله الفقر وأثقلت كاهله ضرورات الحياة، فتوقّف به قطار التعليم عند محطة الدراسة المتوسطة، لكنه لم يتوقف عن الحلم، ولم تنطفئ فيه جذوة الشعر. فما إن عرف قلبه الإحساس حتى اشتعل وجدانه بلهيب الكلمات، وراح ينهل من معين التراث الشعبي العراقي العذب.

بعين عاشقة وذائقة نادرة، قرأ لكبار الشعراء، وتأثر خصوصًا بالشاعر الكبير مظفر النواب، الذي ترك بصماته العميقة في ذاكرته الشعرية. ومنذ نعومة صباه، بدأ صلاح عواد ينسج قصائده وهو لمّا يبلغ الخامسة عشرة، فكانت بداياته كالمطر الأول، يبشّر بربيع آتٍ. ولاقت كلماته الأولى استحسانًا واسعًا ممن سمعها، فدفعه التشجيع إلى الاستزادة والمضي في الدرب الشائك، عارضًا نتاجه على من سبقه من الشعراء، ومشاركًا في الأمسيات الشعرية، حتى غدت المنصات وطنًا لصوته، وغدت القصيدة هويةً لا تكتمل من دونه.

سافر بكلماته بين المدن والمهرجانات، وشارك في المسابقات الوطنية، ونُشرت قصائده في الصحف والمجلات، وتردّد صوته عبر شاشات الفضائيات، يحمل همَّ الناس ويترجم وجعهم. وبمبادرة من الشاعر الكبير طه التميمي، شارك مع زملائه في تأسيس “رابطة شعراء السدة”، التي امتدت نشاطاتها من جنوب المنطقة إلى شمالها، حتى أصبح صلاح أحد أركان اتحاد الشعراء الشعبيين، وانتُخب عضوًا في هيئته الإدارية خلال دورته الثانية.

شعره لا يشبه إلا ذاته؛ موّار بالصور، نابض بالإحساس، ينهل من الواقع لا من أوهام الخيال. قصائده ليست ترفًا لغويًا، بل معايشة صادقة لمكابدة الحياة. يكتب من قلب المعاناة لا عن معاناة مستعارة، ويستلهم من وجعه الخاص صورًا تُدهش المتلقي، وتُطوّق مسامعه بنغمة حزينة كنايٍ مهجور على ضفاف نهرٍ مقفر.

ولو نال ما يستحق من فرص الظهور، لاحتل مكانته التي تليق به في فضاء الشعر الشعبي، لكنه، كغيره من المبدعين الذين لم تسعفهم العلاقات ولا سلالم المجاملات، ظل في الظل، بعيدًا عن أضواء البرامج الشعرية، وتحت وطأة تهميشٍ مقصود. ومع ذلك فإن الشعراء الذين عرفوه يدركون أنه صوت لا يشبه سواه؛ شاعر إذا نطق أسكت، وإذا كتب أبهر.

وانتبه له الشاعر والإعلامي الكبير فالح حسون الدراجي في برنامجه “مواويل وشعر”، الذي كان يقدمه من إذاعة العراق الحر، فقدم حلقة تناولت مسيرته الشعرية مع مجموعة مختارة من أشعاره.

وكتب عنه الباحث لفتة الخزرجي في جريدة “طريق الشعب” مقالًا جاء فيه:

“الشاعر صلاح عواد، شابّ مفعم بالحيوية، مترع بلغةٍ أنيقة تتراقص مفرداتها على أوتار القلوب، يكتب كما لو أنه يسكب دمه بين القوافي، يترك على الورق نبضه، ويرفع جرحه نخلةً تنزف عطرًا فوق ضفاف الفرات. هو لا يبني قصورًا من أوهام، بل ينحت الشعر من تراب الواقع، ومن دموع الأرامل واليتامى، يمسح جراحهم بكلماته، ويزرع الصبر في تخوم الوطن”.

يكتب رسالةً لأمه:

بعدني أغفه على صوتچ من تلوليلي… دلوليلي

تره جرحي چبير وشايله بحيلي

ولأنه يعشق العناد كما يعشق الشعر، تراه يتصدى لأوجاع الواقع بصلابة، متجذرًا في أرض الحلة، ينهل من نهرها، ويكتب للناس وهم يذوقون مرارة الخبز وصمت الأمل:

ما يردوك تعله ولا تحط اجناح

وعلى أمتون الورق ما توگف أحروفك

على اكتافك رفعت الكون لمن طاح

موش انته التميل وتلتوي اكتوفك

تجتمع في قصائده موسيقى الوجدان، وحرارة التجربة، وتكثيف الصورة، فيختلط الأنين بالعطر، وينبض النص بالصدق والانتماء. يكتب عن الطين، والنخل، والتراب، وعن بيتٍ أحبّه كأنه الوطن:

أحب صبخايتي وعاشگني بيت الطين

وعلى أتراب العراق أتعودت ريتي

في ديوانه المعنون بـ”جرح النخل”، كتب في الإهداء:

للعراق الشايل اجروح اليتامه

للزرع بينه رغم حزنه ابتسامة

البيرغ أمي لشدته إحزام الصبرهه

ألوالدي الضحه النفس لجل الكرامة

وقد قدّم للديوان الشاعر الكبير حامد كعيد، متتبعًا لمسحة الحزن التي تلازم الشاعر في خطوه وصوته، فقال عنه:

“صلاح عواد لا يتفرّد بالحزن، بل هو ابن جيل أدمن الحرب والعوز والخذلان، لكنه جريء في أن يجعله طاقةً شعرية تضيء معاني القصيدة”.

أما الشاعر عبد الرزاق كميل فقال فيه:

“هو متألق كألق الربيع، يكتب من قلبه، من عاطفة مشبعة بالإنسانية”.

احتوى ديوان “جرح النخل” إحدى وعشرين قصيدة، وفي آخر صفحات الديوان كانت “الأبوذية” حاضرة، بصورتها الدامية:

المصايب بالسره اصطفن وجنه

ودمعي ما يقبل ايفارگ وجنة

أخبرك نار ما تحصل وجنة

چفن واثنينهن شحن عليه

صلاح عواد شاعر لم يتعلم في المدارس، لكنه تخرّج من مدرسة الألم، ومضى في درب الشعر وهو يحمل جرحه مثل راية. صوته من الجنوب، لكنه صدى لوطنٍ كامل، يكتب من أجل الإنسان، ويصرخ حين يصمت الجميع.

في قصيدته “گاع الصبر” يخاطب الوطن خطاب العشق والانتماء والهوية:

من گد ما نحبك ما نفرط ببك

فك حلگ التراب وعاين ألجوفك

تلگه شما زرعنه وخضرينه أرجال

طاحت روسها وما گدرت اتعوفك

ما يردوك تعله وتعله ما يردوك

يردون ألغمدها اتحدر سيوفك

ويكرهونك عراق من الصفات ألبيك

چي شالت حسين وضمته اجفوفك

أما قصيدته “شليل العوز”، والمهداة إلى الشهيد ومؤسس الجمهورية العراقية، فقد أرادها معيارًا لنزاهة الحاكم ومصداقيته، ومن ثم عقد مقارنة بين الزعيم عبد الكريم قاسم وما يمارسه السياسيون في ظل الفساد والتزوير ونهب المال العام وغيرها من الأمور التي باتت تشكل سياقات منحرفة عن الحكم الرشيد:

لو مثلك قيادي أيشيل هم الناس

ويلم كسر الزمان ألفات ويجبره

چا شط الحزن ما داس فج الگاع

لف جرفه بعباته وغير المجرى

بس امنين أجيبك يا گمر مطعون

وأدري بحضن دجلة اندفنت الگمره

وفي قصيدته التي أخذ الديوان عنوانه منها، “جرح النخل”:

لأن ابن الوطن عايش غريب الدار

لا شبر اليملكه ولا له طابوگة

رابي وي الهضم وأرضع ثدايه الخوف

وأتنفس هواي ابرية مخنوگة

وأدگ باب الفرح مليت أدگ الباب

كف عمري وخلص والباب مطبوگة

الشاعر صلاح عواد بدأ مشواره الشعري في منتصف العقد التاسع من القرن الماضي، وهو عضو جمعية البيت العراقي للشعر الشعبي، وناشط في حضوره في المحافل الثقافية والمهرجانات الشعرية. كما أنه رئيس رابطة الشعراء الشعبيين في السدة، وعضو رابطة الشعراء الشعبيين في المحاويل، وانتُخب رئيسًا لجمعية البيت العراقي للشعر الشعبي فرع بابل.

ورغم أننا قد أعطينا الشاعر فرصة الإبحار في مرافئ الحزن، وأبحرنا معه في تلك الموانئ التي حلّقت فيها قوافيه وأناشيده، فإن تحوّل الحزن إلى تشاؤم صريح، وابتعادًا عن الأمل الذي نستشعره في ظلمة دربنا، قد يجعلنا ندعو هذه القامة الشعرية، وهذا الصوت الشعري المتألق، إلى إعادة النظر في مفردات التشاؤم ومحاولة مغادرتها.

ومع ذلك فإننا ندرك جيدًا أن اختيار الشاعر لمساره ومنهجه ومفرداته أمور تتعلق بشخصيته وتفاعله مع الأحداث والوعي والمستوى الثقافي والمعرفي. ونحن لا نشك أبدًا بمعطيات الشاعر صلاح عواد وتمسكه الواضح بمدرسته الشعرية التي لا تتعارض مع حركة التطور التي أسهمت فيها قامات شعرية فتحت الطريق رحبًا أمام الشعراء لينهلوا من معين الأمل والتفاؤل والانفتاح على الجديد.

وهذا ما أكده الشاعر حامد كعيد في المقدمة التي كتبها لديوان الشاعر، حيث يذكر: “إن قادم الأيام كفيل بأن يرينا نصوصًا للشاعر صلاح عواد يفوح منها عطر الأمل والتطلع لمستقبل جميل سيؤول له الوطن والناس سويّة”.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان