الاخيرة

الساهر صخب الشاشات

بين ترفية القيصر وسفسطة الثراء

 د. عبد الكريم ناعم

وصف ظهور الفنان كاظم الساهر الأخير في مقابلته الحوارية (مثل بودكاست AB Talks) وتصريحاته بأنه “بطر أثرياء” أو “فلسفة زائدة” يعتمد تماماً على زاوية الرؤية الفاصلة بين معاناة الواقع اليومي للجمهور وبين بذخ عالم النجوم..

فقد انقسمت اراء المطلعين والمهتمين بالشان إلى اتجاهين حادين:

1. منظور “بطر الأثرياء” (انفصال عن الواقع) يرى أصحاب هذا الرأي أن حديث الساهر عن أوجاع الشهرة، والقيود التي تفرضها النجومية، والاحتراق النفسي (مثل بكائه عند الحديث عن عزلة السيدة فيروز أو أسر الصورة المثالية) يمثل نوعاً من الرفاهية الفكرية:

مقارنة الشقاء، المنتقدون يرون أن التباكي على “ضريبة النجومية” أمام جمهور يعاني من أزمات اقتصادية ومعيشية طاحنة هو نوع من عدم تقدير النعمة، فالأولى برأيهم هو الامتنان للثروة والنفوذ والراحة التي يفتقدها عامة الناس.

حرية الاختيار: من هذا المنظور، يملك الساهر (الذي يتقاضى مئات آلاف الدولارات عن الحفل الواحد) كامل الحرية والقدرة المالية للاعتزال والعيش في أي مكان بالعالم، وبالتالي فإن الحديث عن “سجن الشهرة” يبدو غير واقعي مبالغاً فيه مقارنة بسجون الحياة الحقيقية التي يعيشها

غيره.

2. منظور “الفلسفة والصدق الإنساني” (حقيقة ضريبة النجاح) في المقابل، دافع قطاع واسع من النخبة والمثقفين عن هذا الظهور واعتبروه “وثيقة إنسانية” صادقة وتعرية لحقيقة النجومية: (الاحتراق الداخلي) يرى المؤيدون أن الألم النفسي والعزلة والاضطرار للعيش خلف قناع دائم لإرضاء الجمهور هي معاناة حقيقية لا تداويها الأموال، فالفنان يفقد أبسط حقوق الإنسان الطبيعية كالسير في الشارع أو العيش بعفوية.

٣. الخروج من النمطية: (الحديث هنا ليس فلسفة فارغة)، بل هو مواجهة شجاعة مع الذات تكشف كيف تصبح الشهرة قيداً يحرم صاحبها من الاستمتاع بالحياة التي تليق به، كما عبّر الساهر بحزن عن صدمته من شكل حياة فيروز المتواضعة والمنعزلة مقارنة بقيمتها الفنية.

٤. بين من يرى أن الألم البشري لا يتجزأ وأن النجوم بشر يختنقون، وبين من يرى أن ألم النخبة ترف مقارنة بآلام البسطاء، يبقى حديث القيصر مثيراً للجدل ومرتبطاً بمدى قرب أو بُعد المتلقي من الواقع الذي يعيشه الفنان.

٥. الحياة الشخصية التي رواها في المقابلة وأثارت شجن الجمهور.

كيف تفاعل الشارع العراقي بشكل خاص مع هذا الظهور الأخير؟ الشارع العراقي منقسم بين مؤيد ومستغرب من هكذا حديث تفوح. منه رائحة التخمة فيما شعوب اغلب المجتمعات العربية تعاني العوز.. يلامس هذا الوصف أدق تفاصيل الشقاق والجدل الدائر في الشارع العراقي والعربي، حيث يرى الكثيرون أن الحديث عن “آلام النجومية والملل من الشهرة” في ظل واقع عربي يغرق في العوز الاقتصادي والأزمات المعيشية هو حديث يصدر من “برج عاجي” وتفوح منه رائحة التخمة والرفاهية المفرطة. ويتجسد انقسام الشارع العراقي والعربي حول هذه النقطة في مسارين واضحين:

 أ. جبهة “المستغربين”: حديث التخمة والانفصال عن الواقع، هذا التيار يضم النسبة الأكبر من الجمهور الذي يعيش المعاناة اليومية، ويرى في تصريحات الساهر نوعاً من عدم الإحساس بآلام الشعوب.

صدمة المقارنة: المواطن الذي يبحث عن تأمين لقمة العيش، أو الأمان، أو الخدمات الأساسية، يجد صعوبة بالغة في التعاطف مع فنان يشتكي من “قيود النجومية” وعزلتها وهو يمتلك الملايين والقصور والمزارع، ويتحرك بـ “بطر” بين أرقى عواصم العالم.

 البكاء على الرفاهية: يُنظر إلى دموعه أو حزنه في المقابلات على أنه ترف فكري، فالجمهور يرى أن “سجن الشهرة” الذي يتحدث عنه هو سجن اختياري صُنع بالذهب، وكان بإمكانه التخلي عنه ببساطة والعيش كإنسان طبيعي بفضل ثروته، على عكس سجون الفقر والبطالة الإجبارية التي تعيشها ملايين العائلات العراقية والعربية

ب. جبهة “المؤيدين”: فصل الإنسانية عن الماديات في المقابل، تحاول هذه الجبهة الدفاع عن القيصر من منظور أن المال لا يشتري السعادة أو الطمأنينة النفسية: (الألم النفسي لا يُقاس بالمال): يرى هؤلاء أن الاكتئاب، والعزلة، وفقدان الخصوصية، وحرمان الفنان من عيش حياة طبيعية كباقي البشر هي أوجاع حقيقية وقاتلة، ولا ينبغي إسكاتها أو التقليل منها لمجرد أن صاحبها ثري.

الصدق في التعبير:

 يعتبر المؤيدون أن كاظم لم يتعمد استعراض التخمة، بل كان يجيب بعفوية وإنسانية عن ضريبة النجاح الشرسة التي دفعها من عمره وصحته النفسية، وأن من حق المشاهير التعبير عن ضعفهم البشري دون ربط ذلك بأزمات الشعوب السياسية والاقتصادية. في النهاية، يعكس هذا الانقسام فجوة طبقية ونفسية عميقة، فالجمهور المطحون يطلب من فنانيه الواقعية والامتنان، بينما يطلب الفنان من جمهوره التفهم لمعاناته المعنوية خلف بريق الأضواء.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان