ثقافة شعبية

الأبوذیة المرکبة.. نزوع إلی الإبداع أم خطوة باتجاه التعقید..!

عیسی دمنی

 

الشعر العامي یعتبر أحد أهم العناصر الأساسیة للحفاظ علی حیاة اللغة العربیة فی ربوع الأهواز فی الفترات السابقة لما قدر له من سعة الإنتشار بفضل قرائح قاماته وحفاظه ورواته الذین یتناشدونه فی المضایف و المجالس الشعبیة فی مختلف المناسبات و هو کما لا یخفی یشتمل علی ضروب وأنواع عدیدة، نسلط الضوء هنا علی أکثر أنواعه رواجاً وذیوعاً فی الأوساط الشعبیة و هي فن الأبوذیة، فقد اعتاد جمهور الشعر الشعبي ومتذوقوه أن یتلقوا أبیات الأبوذیة علی ترکیبتها العروضیة المألوفة من منابر الشعر و أفواه الشعراء و درجوا علی ذات النهج ردحاً طویلاً من الزمن، وهکذا بالنسبة لسائر صناعات الشعر الشعبي أو الدارج.اللافت بل الواضح أن الأبوذیة هذه، لها القدح المعلی و الحظ الأوفر فی الأدب الشعبي و الغناءالریفي و لقد لامست وجدان الإنسان الأهوازي وعکست همومه و معاناته و ترجمت آماله وتطلعاته بشطورها الأربعة. إنها جوهر فن العلوانیة الغنائي الأهوازي الإبتکار، بل بالأحری اللسان الناطق والمعبر عن النفسیة المضطهدة للإنسان الأهوازي، فهی مرآة عاکسة لشتی الحالات العاطفیة والنفسیة والشعوریة التی تعتریه وتختلج فی ضمیره فی الفرح والحزن والکآبة والبعاد، ووسیلة للتعبیر أو للتنفیس عن شظف العیش و ضغوطات الحیاة وقساوة الظروف المحیطة به.  الشعر کمبدعه الإنسان یمر بمحطات و أدوار عدیدة طوال مسیرته نحو التکامل والتقدم ، فهو یتعثر حیناً إثر مطبات و موانع تعترض طریقه و حیناً آخر یشق طریقه صوب آفاق رحبة من الإبداع و الحیویة والإزدهار،رافضاً التجمد و التقوقع و مفضلاً الإنطلاق و التوجه نحو الأمام .أما الأبوذیة بصفتها نوعاً معروفاً وشائعاً من أنواع الشعر الشعبي وفنونه ، فقد شهدت بعض المحاولات الإبداعیة لکسر طوقها التقلیدي و قالبها النمطي بدافع الحاجة والضرورة أو هاجس الإبتکار والتجدید ، لتولد ما أطلق علیها الأبوذیة الرباعیة و الخماسیة و المنثورة و المدورة والمشط و المولدة . أما الأبوذیة المرکبة موضع النقد التي تعنون المقال بها، فهی محاولة أخری تضاف إلی سلسلة المحاولات الإبداعیة التي شهدتها ولازالت تشهدها الساحة الشعریة الأهوازیة بین الفینة والأخری .مبدع فکرتها المتکاملة هو الأدیب والشاعر الأهوازي أبوسمیر الناصري الذی یتمتع بسجل أدبي ناصع ترفده سعة إطلاعه بفنون الأدب الشعبي و هو شخصیة داعمة للثقافة و معروفة لدی الشعراء و النشطاء الثقافیین الأهوازیین ، أحیا العدید من الندوات الشعریة و المهرجانات الثقافیة هنا وهناک في أرجاء الأهواز، فشخصیته المعطاءة هذه وجهوده المثریة للأدب، محط إعجاب وتقدیر الجمیع، یسعدنی أن أحییه من هذا المنبر المعلوماتي و أشکره – ومعي الکثیرون – علی کل خطوة یخطوها للدفع بالمسیرة و لبنة یضعها لتشیید صرحنا الثقافي ،کما أشکر السید عبدالحسین الباوي المحترم صاحب موقع أدب الأهواز – منتدی الشعراء و الأدباء الأهوازیین ، حدیث الإنشاء و غزیر الإثمار- علی النشر والإهتمام ، وأشکر کذلك الأدیب الناقد الدکتور عدنان الغزي لشرحه و ترکیزه علی الفکرة وتشجیعه المتواصل للمسار الشعري . قبل الخوض في نقد الأبوذیة المرکبة – حسب تسمیة صاحب الإبداع – و الموقف منها ینبغي أن نشیر إلی نبذة سریعة حول الترکیبة العروضیة للأبوذیة المتعارفة . یتألف هذا الفن الشعري من بیتین بأربعة أشطر ، الثلاثة الأولی متحدة القافیة و بالجناس اللفظي التام مع اختلاف فی المعنی، أما الشطر الرابع – المسمی بالقفل أو المشد أو الرباط – فیختم بیاء مشددة و هاء ساکنة . ویری البعض من الباحثین فی حقل الأدب الشعبي أن الأبوذیة تعتبر القاعدة الثانیة بعد فن الموال –أو الزهیري في العراق- من حیث التسلسل الزمني لظهورها وهي من بحر الوافر في أوزان الخلیل « مفاعیلن مفاعیلن فعولن » بید أنها أکثر صناعات الشعر الشعبي غزارة في النظم و سعة في الإنتشار بین مختلف شرائح الشعب الأهوازي و قد درج الشعراء العامیون علی امتداد العقود المنصرمة علی نظم الأبوذیة علی غرار هیکلیتها العروضیة المألوفة ، و قد تفاعل معهم الجمهور المتذوق للشعر الشعبي وسار في نفس المنهج یتجاوب مع الشعراء بتردید القوافي أو الجناسات الثلاث. لا بد من الإشارة ضمن هذا التعلیل إلی أن التجدید الحاصل في نظم الأبوذیة لا یمس الوزن بشيء و لا یحدث فیه أي خلل أو إرتباک ، إنما یبقی تغییر في الشکل فحسب ، فالوزن هو بحر الوافر کما کان دون زیادة أو نقصان .الجدید الطارئ فی هذا النوع، یشتمل فقط علی إضافة ثلاثة جناسات أخری- متحدة اللفظ و مختلفة المعنی أیضاً –فی صدر الأشطر الثلاث، بینما تبقی الجناسات الأصلیة علی حالتها المألوفة فی أعجاز الشطور، لیصبح للبیت الأبوذي ستة جناسات بعد أن کان یحمل ثلاثة منها فقط ،لیتضاعف التعقید اللفظي و المعنوي معاً فی البیت! التعقید عند علماءالبیان هو «تألیف الکلام علی وجه یعسر فهمه لسوء ترتیبه ، وهو التعقید اللفظي. أو لاستعمال مجاز بعید العلاقة، أو کنایة بعیدةاللزوم ، و هو التعقید المعنوي» عندئذ تفسد متعة تذوقه لصعوبة فهمه وتفسیره لدی الکثیرین ، لیبقی فن تفسیره حکراً علی فئة محدودة من راسخي المعرفة بالشعر الشعبي ! المعروف أن الأبوذیة تختصر معاني القصیدة بین دفتیها و هی بمثابة قرص إلکتروني مدمج! -إن صح الوصف الغریب هذا- إذ تحتوي علی الکثیر من الحالات الشعوریة و الوجدانیة بأقل عبارات و أوجز ألفاظ ، وهي علی قصر أشطرها ،أصعب من کتابة القصیدة علی حد رأي البعض ، لأنها تحدد الشاعر و تضیق علیه الخناق وتسلبه قدرة المناورة والتحلیق في فضاءات الخیال! و تلزمه بالتقید و الإلتزام بقوانین الجناس الصارمة!، حیث تتطلب الترکیز الدقیق و الغوص في المخزون اللغوي و الإصطلاحي للشاعر، لتولد وتبصر النور ولتلقی القبول والإستحسان لدی المستمع المتذوق!  ،کل هذا الجهد العقلي یبذله الشاعر لنظم أبوذیة تقلیدیة متعارفة ، فما بالک إذا شاء کتابة الأبوذیة المرکبة ؟! ألیست تتطلب و الحال هذه ،وقتاً و جهداً عقلیاً مضاعفاً ، بل وجزالة لفظیة کبیرة لربما تفوق مقدرة الکثیر من شعرائنا الشعبیین – بخاصة جیل الشباب- وتثقل علیهم وتحملهم ما لا یطیقون ؟ ألیست تعیق تحلیقهم بحریة مطلقة في سماءات الخیال الرحبة ؟ ألیست الجناسات الثلاث المحدثات ، بمثابة قیود أخری تکبل بها قریحة الشاعر الشعبي؟ ألا یری الأستاذ أبوسمیر الناصري أن الأبوذیة الجدیدة هذه ، من شأنها أن تضع قرائح الشعراء الشعبیین علی المحک وتخلق في أوساطهم مناخاً سباقیاً محتدماً للتنافس السلبي، یستعرض فیه الشعراء قدراتهم الإبداعیة بصعوبة بالغة ؟! یجد القارئ المتتبع أن الأستاذ الناصري قد أشار فعلاً إلی هذه الصعوبة في النظم – نقلاً عن بعض الشعراء- في مقاله التأسیسي المنشور في موقع أدب الأهواز الموقر، مشیراً إلی استجابة الشاعر عبدالسادة العاشوري التمیمي من مدینة الفلاحیة لهذه المبادرة الإبداعیة وقیامه بنظم عدة أبیات أبوذیة علی المنوال الجدید ، لیکون أول من یکتب بهذا النمط المبتکر،و لیسجل هذا الإبتکار الفني باسم الشعراء الأهوازیین و لیحول دون انتحاله من قبل الآخرین . لذلک أحییه وسائر شعراء الفلاحیة الزاخرة بالعطاءالشعري . بالطبع لا أقصد هنا بـ «الصعوبة البالغة» في کتابة مثل هذه الأبوذیة الحدیثة الولادة، إستحالة تألیفها ، فالإبداع یولد من رحم المعاناة کما یقال ، أما المستحیل فلیس له محل من الإعراب في قاموس المثقف المتطلع لصیاغة غد أفضل في مختلف الحقول و الأصعدة. یجدر هنا أن نشبع الموضوع بالبحث و التحلیل المستفیضین وبالنقد الهادف و الموضوعي والبناء، هناک ثلاث محطات یتحتم علی الأبوذیة المرکبة أن تجتازها بنجاح ، إذا ما أرادت أن تضمن لنفسها الحصول علی موطئ قدم بین سائر ضروب الشعر الشعبي :

الأولی/ استجابة الشعراء والإکثار من نظمها

الثانیة/ تفاعل الجمهور المتذوق معها و دعمه لها

الثالثة/  إمکانیة غنائها و تجاوب الفنانین معها .

هذه المحطات الثلاث تعتبر بمنزلة إختبارات علمیة و عملیة لتستطیع الأبوذیة المرکبة عبر اجتیازها لها ، أن تحیا حیاتها وتحظی بالقبول العام وأن تکون قادرة علی العطاء والإستمراریة، فالشعر المغنی أکثر رواجاً و تأثیراً من غیره. ما یخشی من هذه الأبوذیة المبتکرة، أن تتسبب بإثارة معرکة لي الأذرع في أوساط الشعراء! بمعنی أن یقوم کل من یجد في نفسه المقدرة اللازمة لنظم الأبوذیة المرکبة ، باستعراض شاعریته وقوة قریحته ، و الإقتخار علی الآخر الذي قد لا یجد هذه المقدرة في إمکانیاته و قابلیاته الشعریة ، و قد لایقتنع بضرورة نظمها أساساً . هذا ما لا أرجو أن یحدث في أوساطنا الشعریة. فماذا یا تری یمکن أن یکون موقف شعراء الفریق الثاني من هذه الأبوذیة؟ الذی یبدو لي أنهم سیتبنون موقف الرافض لهذه الفکرة ! و إذا ما ذهبنا إلی جمهور الشعر الشعبي ، فغالباً ما نجده – وهو یتناشد الأبوذیة- منشغلاً بشرح الجناسات الثلاث عبر تبادل الآراء و التدقیق في المعنی و التنبؤ فیما یقصده و یرمي إلیه الشاعر، و في حال إخفاقهم بالعثور علی المعنی الصحیح للجناسات التي یسمونها بـ «الأرواح»، یسلمون بالرأي القائل : المعنی في قلب الشاعر ! إنهم یحارون في کشف معاني جناسات البیت الواحد ، فما ظنک بثلاثة أخرى تضاف علی البیت، قد تکون أشد تعقیداً من نظیراتها الأصلیات؟! .  هذه نماذج منها / من نظم الشاعر عبدالسادة العاشوري :

شعبل نال عزة ورفض خله

شعبل أرض إسمه ومجد خله

شعبل گلب خل من خان خله

و عدم آمال عنده وخل بخیه .

  حي جفني یصاحب لیل بعداک

حي میلمني هایم أظل بعداک

حي مارید اشوفن بعد بعداک

لأن منهم جفاک الصار بیه

  مجدنه الرک عزم حیله ترحنه

مجدنه ابشیم حتی انزم ترحنه

مجدنه الجاب هیبة النه ترحنه

الوفگ سواها بینه وگطع فیه  

إذن من الصعب أن نسلم باستحسان و استساغة الذوق الشعري العام و السائد لدی جمهور الشعر الشعبي بهذا التجدید الإبداعي الطارئ علی الأبوذیة! لقد نصح أبوسمیر الناصري  – في مقاله –في معرض رده علی شریحة من الشعراء الذین عبروا  له عن صعوبة نظم الأبوذیة المرکبة ، نصحهم بالإکثار من القراءة ، لغرض توسیع دائرة معرفتهم و معلوماتهم الأدبیة واللغویة لیتمکنوا من صیاغة هذه الأبوذیة ! ، فما الذي ینصح به الأستاذ، الجمهور الواسع للشعر الشعبي لیتأهل لفهمها و تفسیرها؟! وهل سیلقی هذا الإبتکار الأبوذي قبولاً کبیراً لدی المهتمین و المعنیین ، یساعد علی انتشاره في أرجاء الأهواز؟.

الأبوذیة المرکبة من حیث التعقید اللفظي و المعنوي، تشبه إلی حدٍ ما ، أبیات الریحاني المتصفة بالتعقید البالغ ! إذ  کانت تکتب بمنتهی اللبس و الغموض و التعمیة ! و قل من کان یتمکن من حلها و فک شیفرتها و إزالة اللبس عنها ! و هي کالألغاز و الحزورات و الکلام المعمی ! و قد یصح أن یقال أنها تلاعب بالألفاظ و مضیعة للوقت لیس إلا. . ! الشعر في حقیقة  أمره بوتقة تصهر فیها لواعج النفس و خلجات القلب وتبث فیها أسرار الهوی ، لتتجلی بأبهی الصور و أروع الدلالات الجمالیة ، في قوالب لفظیة جمیلة و بدیعة تأخذ بالألباب و تدخل القلوب بلا استئذان ، الشعرهو ما أحدث هزة إنفعالیة و شعوریة في وجدان المتلقي ، أما غیره فکلام منظوم ذو ألفاظ مرصوفة یفتقر للروح الشعریة والصور الجمالیة . الواضح أن  أبیات الریحاني لا تحدث ذلک الشعور الرومانتیکي لدی المستمعین ، بل تدعهم في صفنة و حیرة!  ،  إذن یصبح خبیراً متضلعاً و أدیباً لوذعیاً – في أدبیات السواد الغالب – من یتمکن من حل تلک الألغاز و المعمیات ! . الألفاظ کالإنسان تولد للحاجة- التي هي أم الإختراع بالطبع – ثم تکبر و تشیخ وتهرم وتموت ، فهناک ما یسمی بشوارد اللغة و حوشي الکلام و الشعر التراثي، و في المقابل توجد لغة عصریة و شعر حدیث  ، لا ینتمي مستخدموا هذه اللغة و متذوقوا هذا الشعر إلی الماضي السحیق ، إنهم أبناء هذا العصر و من حقهم أن یستمتعوا بأشعار شعراءهم و أن یتواصلوا بألفاظ و مواضعات تنتمي لروح العصر و تستجیب لمطالبهم ، هذا هو الأصل في فقه اللغة و فلسفة الشعر . ختاماً أعود و أحیي أباسمیر الناصري الذي ما  فتئ  یواصل المشوار مجتهداً و مرشداً و معلماً للأجیال ، فکأنه شمعة تذوب لتضیئ الدرب للسالکین ، فلو لا حثه و تشجیعه ، لم یکن لهذا المقال النقدي المتواضع و غیره من الکتابات النظیرة أن تبصر النور و تدلوا  بدلوها  في هذا المنتدی الأدبي الإلکتروني الأهوازي الرائع. لیسوا کثیرین بالتأکید أمثال أبي سمیر الناصري الذین نذروا أعمارهم لخدمة قضایا الشعب . أخیراً أرجو أن أکون قد وفقت في طرح بعض الآراء النقدیة و التحلیلیة في ثنایا المقال ، متمنیاً من الصمیم أن تکون  تلک الآراء المطروحة ، أقرب للنقد و التمحیص العلمي ، منها إلی التشاؤم والتثبیط  للهمم و العزائم .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان