سعد الربيعي
كنا على موعد لزيارتها انا وعائلتي, تلك الام العراقية الصبورة التي طالما شبّهتها بالنخلة العراقية الباسقة. وقد تجاذبنا اطراف الحديث أنا وزوجتي أم قادس لشراء هدية بسيطة وقد تكون رمزية، “شيلة”. ولا نعرف لماذا وقع الاختيار على تلك الهدية؟! ربما لانها توحي بالستر، إذ أنها سترت عائلة باكملها، برغم كل تحديات الزمن وشظف العيش، لكنها أبت ان تكون ذليلة حتى بعد ترملها، وعاشت مع اخيها الذي تكفل هو الاخر بإعالتها مع عائلتها. هذا ما سمعته بشكل موجز ومختصر من لسان ابنها الشاعر الديواني “عماد المطاريحي”، الذي حلّ علينا ضيفاً قبل اكثر من عام، حلّ ضيفاً جميلاً وممتعاً وهو يروي قصتها بلوعة ومرارة، ومواجهتها مع الزمن الصعب في قرية صغيرة تحيطها ريح الحرمان والجوع من كل حدب وصوب. كان هذا الكلام قبل ان أراها وجهاً لوجه، إذ استقبلتنا انا وعائلتي الصغيرة بعبارات الترحيب والتهليل، كأنها نقشت على شفتيها. لم تغب صورتها عن عيني حين بكيت بعد سماعي خبر وفاتها إثر حادث مؤسف في مدينة كربلاء المقدسة، واستعرضت ذاكرتي كل صورها الجميلة التي تقطر عفة وطيبة. واسترسل المطاريحي حين روى لي بعض المآسي التي واجهتها “عندما توفي والدي كنا صغاراً، ولا نقوى على إعالتها، وقد تكفل خالي بذلك، الذي كان هو الاخر ضعيف الحال، وحين كانت تحضر العشاء لاتشاركنا الطعام، وعندما نسألها تجيب بابتسامة (ما اشتهي يمة)، ولم تستطع عقولنا الصغيرة ان تفسر الاشياء والمعاني والنظرات، حتى بلغنا وكبرنا، وتوضحت الصورة لدينا, لم تشاركنا العشاء حتى تطمئن الى أننا شبعنا”! الله يا أم …. كم انتِ صبورة ومضحية, ويكمل المطاريحي ويقول “لقد نقلت واقعة وليس لي الفضل بذلك واختزلت قصة طويلة يتخللها الالم والحسرة في بيت من الدارمي :
ما تشتهي أمنه الزاد ننشد وراهه ثاريها خاف نجوع عافت عشاهه آه، آه، كنا على موعد لزيارتها لكنها سبقتنا بموعدها مع الرحيل الابدي، ربما سنلتقي يوما معها، وحتى ذلك الحين سنحتفظ بهديتها.









