الجزء الاول
د. نضير الخزرجي
في واحدة من الأمسيات الدينية التي تتصف بعمومية الحضور من حيث السن والثقافة والتحصيل العلمي وتكون الأجواء الروحانية هي المسيطرة على مثل هذه المجالس التي يحضرها الصغير والكبير من كل طبقات المجتمع فقيرهم وغنيهم جاهلهم ومتعلمهم، أحبَّ أحد شعراء الشعر الشعبي من الذين يرتادون النوادي الدينية والأدبية في لندن اختبار قدرة الحاضرين على فهم الكلمات الدارجة من خلال قطعة من شعر الأبوذية التي تتسم بوجود الجناس في ثلاثة أشطر من الأربعة التي يتكون منها بيت الأبوذية، والجناس هو عبارة عن توافق الكلمات رسماً وافتراقها معنىً من قبيل جَنَّة وجِنَّة وجُنَّة، فالأولى من الجنان والفردوس والثانية في مقابل الإنس وهم الجن والثالثة الوقاية والستر، فالكلمات الثلاث من حيث الرسم والكتابة واحدة وتختلف في المعنى، وهذا هو الجناس. وفي سبيل ترغيب الحاضرين على التفاعل مع فقرته داخل الأمسية قدّم ألف جنيه استرليني (1570 دولاراً) للإجابة، وكان الشاعر الشعبي واثقاً من انعدام الإجابة لأن بيت الأبوذية الذي أتى فيه من الجناس ما يصعب فك رموز معانيها، ربما نظر الى الصبية والناشئين الذين اصطفوا أمامه ومعظمهم من ولادات خارج العراق حيث يصعب على عدد غير قليل منهم فهم الكلمات العربية الفصحى فما بالك بالدارجة. في الواقع لم يغرني الألف جنيه لأنني على دراية بأن بنساً واحداً منها لن يدخل جيبي فالرهان في مثل هذه الحالة بعيد عن الحلِّية، كما كنت أدرك أنه غير جاد في الدفع، فكيف له أن يحرّك مصارين جيبه وهو يعيش على الضمان الإجتماعي ومساعدة الدولة(!)، فتركت الآخرين يجيبون ولما عجزوا أعلن انتصاره، فقلت له وهل أنت على استعداد لدفع الألف جنيه؟، فأفصح عن ابتسامته عريضة فيها معالم القبول مع الثقة التامة بانعدام المجيب، فشرحت له معاني الجناس في الكلمات الثلاث من الأبوذية التي أنشأها فأُسقط في يديه وحتى لا يصاب بالدوار قلت له لا تقلق والألف جنيه لك مني هدية، فراح يسأل بعد أن بلع ريقه عن كيفية معرفتي بهذا الجناس، فقلت له وبصراحة الواثق من جهله بالكثير من الكلمات والمصطلحات الشعبية، أنَّ قراءتي الأدبية لعشرة أجزاء من شعر الأبوذية ضمن أجزاء دائرة المعارف الحسينية فتحت لي بعض الآفاق في كيفية تقطيع الجناس وفهم أصل الكلمة ورسمها حتى يتسنى لي فهم الكلمة وتمييزها عن الكلمتين الأخريتين.
تذكرت هذه الحادثة الأدبية وأنا بصدد قراءة كتاب “الأبوذية بين التأصيل والتفعيل” من إعداد المستشار القانوني والشاعر العراقي الأستاذ فؤاد الشيخ علي العبادي الحياوي، الصادر نهاية العام 2012م (1433هـ) عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 120 صفحة من القطع المتوسط، والذي يمثل بدوره قراءة وإعداداً لمقدمة الجزء الأول من ديوان الأبوذية للدكتور الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر عام 2007م عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 564 صفحة من القطع الوزيري.
السهل الممتنع
واللغة الدارجة المستعملة في شعر الأبوذية كما في الألوان الشعرية الأخرى لا تختلف من حيث كثرة الاشتقاقات وتعدد المعاني عن اللغة الفصحى، فهي كثيرة ومتشعبة، ولذلك ليس من السهل معرفة المعنى إن لم يكن المرء محيطاً بها على خلاف اللغة الفصحى التي يمكن فهما بشكل عام ظاهريا ويُتاح الرجوع الى معاجم اللغة للوقوف على الإشتقاقات والمعاني، فالمصري بامكانه التعرف على كلمة عربية فصيحة ولكن يعجز عن درك معنى كلمة دارجة في جنوب العراق، والعكس صحيح أيضا، وكذا الأمر بالنسبة للجزائري واللبناني واليمني وهلّم جرّا.
وهذه حقيقة معروفة ميدانيا ويؤكد عليها المعد الحاج فؤاد العبادي وهو في معرض الإشادة بالمؤلف الدكتور الكرباسي الذي استطاع في الأجزاء العشرة من ديوان الأبوذية الخاص بالنهضة الحسينية أن يستوعب معاني 3186 بيتاً من شعر الأبوذية أي (9558) كلمة جناس فضلاً عن معاني الكلمات الأخرى التي تخللت أبيات الأبوذية وهي بالتأكيد أكثر من عشرة آلاف كلمة متوزعة في فهرس اللهجة وغيرها، ويستشهد الأديب العبادي بكلمة “طاح” وتعني بشكل عام وقع أو سقط ومثّل لها بأربعة عشر نموذجاً، فهي بمعنى: انهدم الجدار، ونضج الرطب، وفقد العقل، وفقد النصيب، وأُشبع ضرباً، وأبلى بلاءً حسناً، وبدأ تناول الطعام، وسقط من على ظهر جواده، وامتلأت الأنهر ماءً، وغرُبت الشمس، وأفَلت النجوم، وزال الصبغ، وانتشر الظلام، وهطل المطر.
إنَّ إدراك المعنى وبخاصة في جناس شعر الأبوذية ليس بالأمر الهين حتى على الذين يتحدثون باللغتين الفصحى والدارجة إن كانوا في العراق أو الجزائر أو المغرب أو الإمارات أو خوزستان في جنوب إيران الذين يتحدث أهلها العربية، من هنا يرى الكرباسي وهو يتحدث عن فن الجناس: (إن عملية الجناس في الأشطر الثلاثة فن بديع اتصفت به بعض الأوزان أو الألوان من الشعر الدارج ويستلزم ذلك في بعض الأحيان إضافة حرف أو إمالته أو إسقاطه وربما رُكِّبت كلمتان معاً ليؤدي مجموعمها الجناس المطلوب، ولذلك يُعد حل هذا الجناس من اللغز الذي يُمتحن به في الندوات الأدبية ويتفاخر الشاعر بإنشائه أيضاً، وكلما كان الحل أصعب كلما أُشيد بمهارة الشاعر أكثر)، فالكلمات تبدو من النظرة الأولى سهلة طيعة ولكنها في واقع الحال عصية على الفهم إلا لمن مارسها كتابة أو قراءة أو من خلال التخاطب اليومي، فهي من السهل الممتنع، بل ربما كانت من الصعب المستصعب، ولهذا تُختبر قوة الشاعر الشعبي على النظم وتمكنه من الشعر الدارج بمدى قدرته على نظم الأبوذية، فهو عند كثير من الشعراء والناقدين شاقول الشعر الشعبي يُعرف به حسن النظم من رديئه، من هنا فإنَّ الشاعر العبادي عندما وقف على الأجزاء العشرة وما حوتها من أبيات عبّر عن استغرابه للكم الهائل من الأبوذية قائلا: (إن الأمر فاق تصوري، ووجدت نفسي أمام موسوعة عن الأبوذية، والأكثر من ذلك أن هناك عشرة أجزاء فقط في الإمام الحسين(ع)، وهذا ما لم أكن أتصوره في يوم من الأيام، إذ كان عهدي بالأبوذية أنه شعر محلّي، تستهويه قلة من العراقيين وبعض عرب الجنوب في إيران، وهو من الصعوبة بمكان أن الكثير منهم لا ينظمه أو من لا يمكنه حتى فهمه، لما يحمله من الجناس، الذي يحتاج إلى فكِّ معانيه، حيث يحصل فيه من التحريف والدمج اللذين ليس بالسهل على كل أحد تأصيله ليرجع الى جذوره ويفهم منها المعنى المراد).
ومن ذلك أبوذية عميد الشعر الحسيني الدارج الحاج جابر بن جليل البديري الكاظمي المولود في مدينة الكاظمية سنة 1374هـ، وهو يخاطب الحبيب:
حبيبي إنْشِعَب گَلْبي إعْلَيكْ شَعْبانْ
جَبينَكْ مِثِلْ ضَيْ الْگُمَر شَعْبانْ
كِتَلْني الْعِطَشْ وِاحْنَه بْشَهَرْ شَعْبانْ
شَهَرْنَه الْيِجي اشْراحِ يْصيرْ بِيَّه
فالجناس وقع في شعبان، فالأولى: أي شُعبتان تثنية الشعبة من تشعب، والثاني: من شعَّ وبانَ، والثالثة: شهر شعبان، فالشاعر يخاطب الحبيب ولسان حاله: إنَّ قلبي لرؤيتك انشعب وانقسم قسمين، وجبينك شعَّ وبان وأضيئت صفحته، والعطش لرضاب حبك قتلني رغم أننا في شهر شعبان، وماذا سيحلّ بي عندما يأتي الشهر القادم وهو شهر رمضان شهر الصوم!









