ثقافة شعبية

كيف أصبحت الأبوذية «شاقول» الشعر الشعبي؟

الجزء الثاني

 د. نضير الخزرجي

 

المولدة والمطلقة

ولأنَّ شعر الأبوذية ذو حبكة وتعقيد في تنظيم جناسه، والبيت ذو الأشطر الأربعة بمجموعها تشكل قصة قصيرة فيها بداية ونهاية، فإن الناظمين لها على نوعين: أحدهما ينظمه من وحي ذاته دون أن يتأثر ببيت من الأبوذية أو من نص شعري أو نثري، ويُطلق على مثل هذه الأبوذية بالمطلقة في قبال الأبوذية المولدة، والثانية تشبه إلى حد كبير الإقتباس والتضمين في الشعر القريض، وحسبما يقول الكرباسي: (المطلقة تعني أن الشاعر نظمها من وحي خياله دون أن يلجأ إلى شعر غيره، والمولدة وهي التي تنظم من وحي خيال شاعر آخر من خلال مجاراة بيت شعري وغالباً ما يكون هذا البيت من الشعر القريض ولا اختصاص لهما بالأبوذية)، وكلما قلل الناظم من الإقتباس والتضمين قرب من الأبوذية المطلقة حتى وإن كانت أبوذيته مولدة فإنها لا تقلل من شأنه كشاعر بخاصة إذا كان ينظم على ألوان مختلفة وأغراض متنوعة، ومثال الأبوذية المولدة، قول الشاعر العراقي خالد البارودي:

 صُفَه گلْبي عَلَى الْمَحْبوبْ مِنْخالْ

 عِمَيتِ وْعَيْبْ افِرْزَنْ خالْ مِنْ خالْ

 تِحِبْ النّاسْ إلْبْوَجْناهْ مِنْ خالْ

 إشْلونْ آنه وْلَحِبْهَه الخالْ هِيَّه

 فالجناس في “منخال”، فالأولى وتعني المُنخل المستعمل في نخل الطحين، والثانية بمعنى الخِل من الصديق أو الحبيب، والثالثة بمعنى الشامة أو الخال، والشاعر على ما يبدو اقتبس المعنى من قول الشاعر من البسيط:

 

   الناس تعشق مَن خال بوجنته 

  فكيف بي وحبيبي كله خال

 فالشاعر البارودي أو الذي يستنطقه وقع في حب فتاة سوداء، ففي الوقت الذي يروق للحبيب حب المحبوب أو صاحب الشامة (الخال)، فإن الفتاة التي وقع في حبها هي الخال بعينها، ويحمل البيت القريض والأبوذية معنى الكناية والدلالة دون أن يصرح الشاعر بأن حبيبته ذات بشرة سوداء، ولهذا لا غرو أن يصف الأديب العراقي علي بن عبد علي الخاقاني المتوفى سنة 1398هـ هذا اللون من الشعر بأنه: (أقرب الفنون إلى المشاعر والنفوس الرقيقة التي صهرها الحب المجهد، والعشق القاتل). 

ومهما يطول الحديث عن الأبوذية المولدة والمطلقة، فإن هذا النمط من الشعر هو بحد ذاته من مولدات الشعر الدارج بشكل عام بحثه المؤلف الكرباسي في هذا الكتاب الذي يمثل مقدمة ديوان الأبوذية بشكل مفصل وانتهى به المقام الى التأكيد بأن أرباب هذا الفن من الشعر الدارج هم: (أربعة شكّلوا هرم الأبوذية في العصر الأول لها حيث العبادي- حسين بن عبد الله آل مگن المتوفى نحو 1300هـ- في قمته وكل من الكربلائي- حسين بن علي المتوفى سنة 1328هـ-، والدويچي- زاير بن علي المتوفى سنة 1329هـ- في زاويتي قاعدته يتوسطهما الحلي- جعفر بن مهدي المتوفى سنة 1298هـ-، ويستحق كل من الكربلائي والدويچي أن يُطلق على كل منهما أمير الأبوذية أو عميدها حيث إنهما كانا من الدعامتين الأساسيتين لهذا النوع من الشعر الدارج فالأول أبدع فيها وطورها والثاني أكثر في الإنشاء عليها. ولاحتمال تقدم الكربلائي على صاحبه في الإنشاء ملازمته للعبادي بالإضافة إلى إبداعاته ربما استحق تلقيبه بأمير الأبوذية وتلقيب الدويچي بعميدها ويكون الحلي في قلب الهرم).

 أما عن أقدم مَن وظّف شعر الأبوذية في النهضة الحسينية، فإن الأديب والمؤرخ العراقي المولود سنة 1366هـ ثامر بن عبد الحسن العامري يرى أنَّ الشعراء الثلاثة عبد الأمير بن علي الفتلاوي المتوفى عام 1380هـ وعبود بن غفلة الشمرتي الخاقاني المتوفى عام 1356هـ وحسين الكربلائي المتوفى عام 1328هـ أول من نظموا الأبوذية الحسينية وبطريقة النعي. ويعتقد الكرباسي أن الثالث هو أقدمهم في ذلك يليه الثاني ثم الحاج زاير الدويچي في المرتبة الثالثة، وأخيرا الفتلاوي.

 ولا يخفى أن التفاصيل الدقيقة لبدايات شعر الأبوذية وتطوره ووزنه وألوانه وغيرها من العناوين المتعلقة بهذا النمط من الشعر الدارج استعرضتها بقراءة أدبية مستفيضة للجزء الأول من ديوان الأبوذية نشرت في وسائل الإعلام في 31/ 8/ 2007م تحت عنوان “حركة شعر الأبوذية بين عبودة وبوذا” وأُعيد طبعها في كتابنا “نزهة القلم .. قراءة نقدية في الموسوعة الحسينية” الصادر عام 2010م في 600 صفحة من القطع الوزيري عن بيت العلم للنابهين في بيروت، وبتعبير الأديب فؤاد العبادي: (وجدت في المقدمة الضافية التي أملاها صاحب الفضل والفضيلة آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي كمقدمة تمهيدية لكتابه القيِّم “ديوان الأبوذية” خير ما يمكن تقديمه لرواد الأدب الشعبي بل ولعموم الأدباء حيث لم يدع جانباً من جوانب البحث إلا وتطرق إليه بروح علمية وأكاديمية وبإيجاز غير مخلّ بالمقصود، مما جعله بحثاً غنياً لا يظمأ بعدها عشّاق هذا النوع من الأدب بل ومحبّو الأدب الشعبي كافة، لما امتاز به من التأصيل والتحليل وعمق التحقيق بما فيه الكفاية).

 وحيث تعتبر دواوين الأشعار لكبار الشعراء الماضين والمجيدين من المعاصرين مدرسة لطلاب الأدب والشعر، فإن ديوان الأبوذية بدواوينه العشرة في باب الأدب الدارج تعتبر مدرسة، وكما يقول العبادي وهو يختم تقديمه لهذه المقدمة الوافية أن ديوان الأبوذية هو: (سِفر من الأسفار المعتبرة ومدرسة يدرس بها كل شاعر يريد أن يدرك أبعاد هذا الفن من فنون الأدب الشعبي).

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان