الجزء الاول
الفن الشعبي يمثل لغة خطابية خالية من تعقيد الفن العام الذي يخضع لسيطرة الذي يجوز والذي لايجوز وهذا لا يعني خلوه من الرقابة الفنية التي تخصه مثله مثل أي فن. لقد خاطب الأدب الشعبي كافة المستويات بلغته البسيطة والرقيقة، وان حوت مفردات عمد الشعراء على اظهارها لتكون القصيدة حاوية على أسرارها الجميلة ليكون السؤال دائما ما معنى هذه الكلمة وما المقصود بهذه الجملة. من منا لم يسمع تلك القصص الشعبية حول الأبطال القدامى وبنت المعيدي وحكايات الطنطل وما شابه من السرد الشعبي الذي كان أقرب لطفولتنا من التلفاز والراديو.
وهكذا كانت اللغة الدارجة هي الأقرب الى نفوس الطبقات الوسطى والمعدومة حتى الغنية لما يمثله الشعر الذي نشأ على شكل مجالس عزاء في ذكر الأولياء وكان أكثر تأثيرا في هذا المجال من السرد حتى بلغ ولعل بقاء زاير دويج حتى يومنا لقوة الموضوع الذي طرقه ومحاكاته الناس في عصره، والعصور التي تلته فأنا لا أطالب بودليرفي كتابة لغة تخرجه من أسوار حيه، فالمعروف ان الأديب ابن بيئته وهذه البيئة تخرجت منها أسماء أمثال منظور الكربلائي وعبود الكرخي واسماعيل عبد الفتاح وعباس جيجان وحمزة الحلفي، وغيرهم من الشعراء الذين برزوا أواخر الثمانينيات ألم يمثل هؤلاء أذواقا مختلفة ولكنهم كانوا في ذاكرة الشعر بذات اللغة التي كتبوا فيها، لقد خرجوا من بيئتهم وكتبوا أسماء مدنهم وطابقت صيحاتهم صراخ أوطانهم وان اختلفت الطريقة التي وهبوا فيها الجوائز وهو ليس من باب كتابة البحث. كانت القصيدة تمثل المرحلة التي وطئتها وان لم تكن كما في العصر الراهن تمثل معتقد الشاعر على عكس ماكانت أغلبية القصائد القديمة تمثل معتقد الأمة وفكرها ظل الشعر الشعبي العراقي الأقرب الى النفس لحواره مع الناس دون مجازيات اللغة والبحث حرجة لم تلب رموز الشعر العرب على تحريكها بالشفافية الرائعة التي امتلكتها القصيدة عند جهابذة الشعر الشعبي العراقي المتمثل بالمثلث الأنيق مظفر وعريان وكاظم لقد تطورت القصيدة على أيدي الثلاثة بشكل صار من اللازم الرجوع لقصائدهم كمصدر ليس بالهين تركه دون الأخذ من ينابيعه الحزينة أكتفي بأخذ رمزي الأرض والأم وهما كنموذج يعتبر أكثر تواجدا في ساحة الشعر الشعبي العراقي وان أختلفت طريقة تناولهم خلال القصائد..
الأرض
عاش العراق ظروفا لم تكن خافية على أحد وكان للأدب دور مهم في كشف الحقائق ويعتبر الشعر الشعبي في هذا المجال من المشاركين بقوة كان حضوره بارزا .. كان يحمل حفنات الملح من أرض بور شققتها الأزمنة ولم تعد تحتمل طرقات العطش كان يؤبن ويصرخ ويؤرخ حياة أمة وان كان اختياري لثلاثة شيوعيين ألا أنهم من لا ينهلون من منهل واحد ولم تطغ الحزينة في كل أعمالهم أسوة بأدبائنا العرب الذين مازالوا متحزبين أكثر منهم مهنيين كانوا يصرخون من منابع قد تكون مختلفة ولكنهم ينزلون بنفس الساقية حيث وجع الناس كربلاء تلك هي الأرض ليست المدينة ولكن الحدث الذي لم تمسح واقعته السنين برزت في قصيدة الشعر الشعبي عند الثلاثة لجعلها رمزا لمكان لايمسح من الذاكرة فأنت تسمع صراخ الخيام ووجع الغربة في المقدمة وما بعدها حتى المنتصف فالنهاية الأرض التي رافقت الأنسان مشواره مع الحياة لم تفارقه حين فارقه من يجب ان يكون معه كانت قافيته الرائعة التي هزت الوجد ومسحت وجهه من تعب مزمن ..
أواكح
جني ايدي اتفوح
ومكطوعة اصابعها
اعاتب كاع مدفون ابنباعيها
مكتوب ابلاويها اتحفر بيه مساحيها واشمس روحي بالسنبل
يجي بروجة شمس
يسكي السفن والناس يرويها
لقد عاتب الشاعر مظفر النواب في قصيدة حجام البريس الأرض جعل منها الأذن السامعة علها علاقة الطين بالشيء أو علاقة مهزوم اضطراريا بصديق قديم لم يفارق ظله العمل هنا تجاوز المحلية ليفتح أطرا موصدة في حوار يجب أن يفتح يوما ما ألم يكن حريا بفتح اللغة على مصراعيها ليكون الوجع مشتركا أم أن التشبث بوهمية الحفاظ على اللغة افقدنا تعلم الغوص في سبر أغوار المنسي أو الاخر دأبت القصيدة الشعبية على محاكاة الواقع أكثر منها نتاجا أدبيا وحين نزل الشاعر ليحاكي أمه الأرض وجدها محفورة بأسى النكبات فلم ينتبه لحروف الجر ولا الفاعل المحذوف تقديرا كانت أدواته جاهزة وأسلوب النواب في التدوين جعل منه شاعرا عربيا أولا ثم عراقيا حين النظر لمنتجه الأدبي ككل. ويصدح عريان السيد خلف في قصيدة أوراق يومية ويوصف نضال من يراهم ممثلي حلمه كان واضحا حين أشهر المفردة وطاوع هياجاته موازيا مظفر مقاطعا أعداء الفكرة. جعل الأخذ بالثأر من أعداء الشعب والمتربصين به قبلة يطبعها التاريخ في جبين البطل لعله حلم أو مجرد أمنية حتى يبلغ به الأمر للعودة لتلك الأم الحنونة التي رافقت تلك الجراحات والمميز في قصيدة عريان انه لا يمثل في قصائده انتماءه الحزبي قدر تمثيله لامه تلغي ببطء خبيث. لم يكن التيار اليساري وحده في الساحة بل مختلف الجهات وهو ما نقلته القصيدة عنده لما تنال الأرض بروح يملكها الجميع حتى استدار للأرض وهي المحطة الامنة في كبح الأسئلة المحرجة. وتورد الكاع وتوهسنه الصدك حد رفة العين وعرفنه اشلون تنباع النواميس كان أثر النشوة باديا على الأرض التي احتضنت جراحات الشاعر وان تلمست أزاهر الوطن بشيء من الحذر فالضوء الذي لم يكن كافيا فرحت الأرض نكاية بمن خانها ألم تكن زند الفلاح نصبا في كل معترك يصرخ بها اليمين واليسار وهذه الزند التي تداعب أرضا لجعلها موردة لحروف ربيع لم تمسحه الانقلابات من ذاكرة العشاق ألم تكن الدعوة مخلصة لوجود المخلصين الذين كثرت الأجتهادات بتحديد واجهته ألم يكن الشاعر أمينا في جعل نثر بذور الأمل في مواسم قاحلة رمزا ليوم سيأتي حتما كان ذات مرة هنا وذات مرة هناك ولكن اللقاء سيكون على أديم تلك الحبيبة التي حملتنا بعيدا عنا كي تكون مشاركة في الوجع المزمن لقد توجه الشعراء نحو الأرض تلك الحبيبة الدافئة التي حملت صراخ الخيبة وارجعته صدى مبهما كي لا يسمعه الخاسر في وحدته الطويلة . لقد صور كاظم الكاطع القلق والمحنة بشيء من الحذر كان حادا في تصوراته كان يعرف ان العائدين من رحلة الخوف غرقي كان ينشد لهم عارفا ان الصم يعشقون البهلوان فراح يغير موجة مقدماته الى نسق اخر لم تألفه القصيدة العراقية من قبل ألا وهو أخذ العبارة الدارجة لجعلها مؤثرة لقد مازج الشاعر أنتماءاته لكنه بقي متوجعا ولا يخفي حزنه. لم تكن القصيدة عند كاظم الكاطع مجرد ارهاصات بل هي عالم من الجمال والأبهة فتراه ينزل هادئا في رأس المتلقي حتى يصرخ به للنهوض ولكنه يمدد في طريقة الوصف كي يضيع المقصود فيكون الحزن واضحا ليحنو على الأرض تلك السمراء الحافية.









