ثقافة شعبية

علي الشباني من جديد … آلة الطابعة التي وضعته على سكة النضال

ثامر الحاج أمين

 

بعد انقلاب شباط 1963 اعتقل الشاعر ” علي الشباني ” بتهمة طباعته ونشره بيانات تفضح جرائم الانقلابيين وتحرض على الأطاحة بهم حيث حكم عليه بالسجن المؤبد وكان عمره يقترب من السادسة عشر حيث شهد سجن الحلة انذاك اصغر سجين سياسي ، وعن هذه القصة يذكر في ورقة خاصة ( استمرت ايام البعث ثقيلة ومريرة ، وفي العطلة الصيفية واثناء تجوالي ممتلئا بالهموم والاحزان التقى بي احد الأصدقاء الثقاة وفاتحني بموضوع خطير وهو الاستيلاء على آلة الطابعة الموجودة في مدرسته بقصد طبع بيانات ضد عصابة البعث الحاكمة ، وافقت على الفكرة دون تردد وتم اختيار الشباب المستعدين لخوض هذه المغامرة ، وحظيت الفكرة بالموافقة وفي نهاية الشهر السادس من عام 1963 عبرنا سياج المدرسة بعد ان غادرها الحارس دخلنا الغرفة وخلعنا ستارة الشباك ووضعنا الطابعة داخلها وخرجنا وسط حماية اصدقائنا المنتشرين حول المدرسة . تم اخفاء الطابعة في بيتنا لليوم الأول ، وفي اليوم الثاني كانت في دار اخرى فقيرة في شارع الخزاعل ، وقد تم طبع البيان الأول ( على طريق الشهيد سلام عادل ) البيان الذي كتبته بقلمي واسلوبي وتم توزيعه في المدينة ، مما أذهل الحرس القومي ودوّخ السلطة البعثية . 

ظلت الطابعة اياما وقد ضقنا ذرعا بتوفير مكان لها مما اضطرنا الى اعادتها قرب المتوسطة وعليها عبارة ” شكرا لقد انجزنا المهمة ” بعد اقل من شهر تم اعتقال الجميع وحكم علينا بالسجن المؤبد .. أمضيت فترة السجن الرئيسية في سجن الحلة وهناك تعرفت على الكثير من المناضلين العراقيين والكتاب والشعراء منهم الشاعر الكبير ” مظفر النواب ” وآخرين ، أمضيت اكثر من خمس سنين من مدة الحكم الى ان اطلق سراحي بعفو في 20/ 6/ 1967 )

  علي الشباني و” المشتعل كمره”

في مطلع عام 1971 شاعت أغنية ” المشتعل كمره” للمطرب فاضل عواد حملت اسم الشاعر ” علي الشباني ” كمؤلف لها ، ولما كان المطرب المذكور قد تصرف بالقصيدة بخلاف الاتفاق ، قدّم ” الشباني ” ايضاحا نشره في جريدة الراصد ـ العدد 157 في 11/ 2/ 1973 ـ يعلن فيه براءته من كلمات الأغنية المذكورة جاء فيه ( إزاء المسؤولية الفنية والأخلاقية ، سيما بعد ان شوهت الاغنية أود ان أوضح اولا انني لست مؤلفا للأغاني وانما كانت بالأساس محض قصيدة ارتأى الصديق الشاعر ” طارق ياسين ” تلحينها واختار لها فاضل عواد صوتا ، وقد أعجب فاضل بالأغنية واستمر على تقديمها في الحفلات الخاصة ، وفي احدى الحفلات العامة ـ بمناسبة 11 اذار 1971 ـ سمعت الأغنية بكلمات مشوهة ورديئة ولاتمت للأصل بصلة سوى البعض من كلمات المقطع الاول ، لقد أخجلني هذا العمل واعتبرته اساءة مباشرة لي ، وحاولت مرات عديدة ان أغير من رأي فاضل عواد عن تقديمها مشوهة … ولكن عبثا . لذا الفت نظر الاذاعة بأني أرفض ان يقدم اسمي مع هكذا كلمات وشكرا . )

رسالة مظفر النواب

حتى صمتك يأتي صهيل مغان أصيل ، زاوية لك في القلب مازلت أوقد فيها الشموع .. نافرا بطبعك هذا النفور الذي أحببته وشد من ازر قلبي في ليالي الغربة بعد هذه المسافة المهلكة من الزمن املك كل الكلام اذا التقينا ، ولاأملك كلمة منه . من سجن الحلة عرفتك .. ولن أنساك .. التقي أحيانا اصدقاء مشتركين اشك انهم يفهمون الابداع ليعرفوك أحس جفوة بقلبي إزائهم . لايمكنني تصورك قد كبرت ، كبر قلبك نعم .. كبرت نظرة عينيك .. كبر حبك .. مجموعتك الجميلة وصلتني منذ مدة ولكنني غير مستقر ولاأستطيع شيئا لها .. ألا يمكن ان تأتي ..

علي مشتاق لك ودمعة بقلبي . 

مظفر النواب 14/9/1999

مثل العشب والماي 

شعر علي الشباني

احنه ويه الحزب مثل العشب والماي

ننحر كل جرف من يهدر الطوفان 

وانام ابضفافك ليل .. بس اتورد العودان

خضرّ ياحزب عندك نهر من دم 

يروي كل صحره وسيعه

بروي تاريخ الامم

دك باب الطفولة وشيم ّ الرايات

واكتب بالدرب ماشين 

كل خطوة نجم من دم .. سمانه انجوم

دربك ياحزبنه ايدوم 

مادامت الدنيه اهموم 

وبالظلمه وطن مالوم 

مايطفون شمسك ياحزب ..

هيهات ميكدرون 

علي الشباني نــــاقداً

لم تقتصر ملكة الكتابة الابداعية عند الشاعر الراحل علي الشباني على الشعر فحسب بل تعداه الى الابداع في كتابة العمود الصحفي والتحقيق والقصة وكذلك البحث في مجالات ابداعية متعددة اخرى . ففي مقال نشرته مجلة الف باء في عددها 79 الصادر في 21/ 1/ 1970 كتب مدافعا عن اللهجة الشعبية كأداة قادرة على تقديم نتاجات أدبية وشعرية ذات مستوى عال . ولتسليط الضوء على هذا الجانب من المسيرة الابداعية للراحل نقنطف هذا المقطع الذي يقول فيه ( تزهر العلاقة بين الشاعر وارادته الشعرية ـ اللغة ـ بالقدر الذي يمتلك هو ذلك الحس الخاص باللغة واسرارها ، واستخدامه السحري للمفردة ، تلك الشارة الغاضبة بوجه مختلف الضغوط .. واللصيقة ابدا بهذا الانسان الوحيدالذي يمنحها طاقة التوهج ، والكشف ..وهي التي تأتيه طيعة في دنيا يجد نفسه ازاءها بلا اسلحة .. 

اللغة اذن ، وبالنسبة للشاعر خاصة . مسألة تأتي خطورتها .. وثوريتها من طاقتها الهائلة لامتلاك الاشياء وتنسيقها مجددا .. بفعل الشاعر ، واللهجة نهر صغير ، منفعل ، خرج عن منبعه الكبير واتجه صوب الناس مثقلا بكل ما يأتي به دربه الجديد .. وهذه ( اللهجة) ، والذي يبدو الريف متهما دوما باتيانها ، رغم ممارساتنا اليومية لها ، نحن ابناء المدن ، مع اضافاتنا الأخرى والتي هي كذلك ليست ـ قاموسية ـ محضة بالقدر الذي تشكلت به لضروراتنا الحياتية المختلفة).

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان