عماد شريف
تزخر الاغنية الريفية العراقية بمطربين كبار فرضوا انفسهم بكل قوة على المشهد الفني- الغنائي- حتى ثمانينيات القرن المنصرم، وكان من ابرز فرسانها ” حضيري ابو عزيز، وداخل حسن، وناصر حكيم” وغيرهم الكثير، ليظهر من بعدهم جيلاً تميز ايضاً بإبداعه، وكان من ابرزهم عبادي العماري، الذي ينحدر من مدينة المجر في محافظة ميسان، فهو بالاضافة الى صوته المميز المتمكن، كان شاعراً وملحناً ايضاً. ومن أشهر أغانيه التي كتبها ولحنها وأداها ” فصلية، وسامحيني”، وفي هاتين الاغنيتين بالتحديد يبرز دوره كمطرباً انتصر لقضايا المرأة ودافع عن حقوقها وحريتها.. إضافة الى اغانيه الاخرى مثل: ” سليمه، ويتيمه ” وغيرها الكثير.
ادرك العماري بوعيه الكبير، ان الغناء يمكن أن يشكل وسيلة مهمة وفاعلة لإشاعة مفاهيم الخير والجمال إلى جانب تصحيح بعض السلوكيات الخاطئة التي تؤطر طبيعة الحياة في الريف. والاغنية تتحدث عن إحدى العادات السيئة التي كانت مستشرية في الريف، حينما تصبح المرأة بمقتضاها (الدية) التي تقدم إلى احد رجال القبيلة الأخرى من ذوي المقتول وما تشكله هذه الممارسة من حط لقيمة ومكانتها عندما تقدم كسلعة لإرضاء ذوي المقتول. فهو يقول في اغنيته “فصليه” التي كتب كلماتها ولحنها واداها عام 1973:
جابوها دفع للدار
لا ديرم ولاحنه ولاصفگه
(…)
سألت الناس عن قصة هالبنيه
شعجب جارو عليها بغير حنيه
ورديت بگلب حزنان.. من گالوي فصليه
(…)
چاهيچي حكم ديوانك المهيوب ودلاله؟
عليّ تحرم فناجينه وگهوته وگعدت إرجاله
(…)
يـ ديوان السلف بسك فحطنه من الفصل والثار والنهوه..
ويتضاعف احترامه للمرأة ليبدو اكثر وضوحاً وجرأة وهو يقدم اعتذاره لها في قصيدته “سامحيني”.. التي يقول فيها:
سامحيني..
يا نبع ريحان حبي.. الغارگ إبروض المحبة
سامحيني
سامحيني يا طلبتي إلبلعمر.. والعمر يطي البشر بالدنيه طِلبه
(..)
سامحيني.. يا ملاك الـ رغبتني بالحياة إلمالي بيهة چنت رغبه
(..)
آنه ون ينفتح گلبي
چان راويتج عليج شلون تتلچم جراحي
آنه ون مو عيب اصيحن
چنت اصيحن.. سامحيني
چنت اصيح إبكل صياحي… سامحيني
سامحيني.. لا ألِمْ الناس بصياحي وشهگتي..
وآنه متوجر وادور حجه بيهة اشهِر… وِنيني..
سامحيني… كلميني…
(…) لم يكن عبادي العماري مطرباً تقليديا كما هو حال الكثيرين من مطربي الريف والمدينة على حد سواء، بل كان يحمل رأياً ووجهة نظر تجاه مجتمعه الريفي وما تسوده من عادات وتقاليد اجتماعية بالية، فقد كان مهتماً بما تعانيه المرأة من ظلم واجحاف وهضم لحقوقها.. وهذا بدا واضحا في الكثير من اغانيه التي كانت تحمل نفساً انسانياً ومجتمعياً، استطاع العماري من خلال غنائه وشعره ان يوصله الى عمق الريف بكل ما اختزنته ذاكرته عن العلاقات الاجتماعية السائدة في تلك البيئة. توفي العماري عام 1989 تاركا إرثا كبيرا من الطرب والفن الأصيل.









