الجزء الثاني
رحيم الحلي
نشرت إحدى وسائل الإعلام مقالة للدكتور سعدي السماوي كتبها عام 1974 في مجلة التراث الشعبي بعنوان الخصائص الفلكلورية في اغاني ابو سرحان ذياب كزار يقول فيها :
بحكم ارتباط الاغنية عند ابو سرحان بالجو الفلكلوري ارتباطا اساسيا بحيث يبدو احيانا ان الابيات في اغانيه لا يمكن ان تكون الا من الفلكلور بحكم هذا الارتباط نجد ان اللغة هي ايضا محملة بالالوان الفلكلورية الصارخة النارية فهي لغة مرتبطة بأعنف العواطف ، لغة الاغاني عند ابو سرحان جميلة ، مفرداته فيها الكثير من عالم الريف من الوانه من مفاهيمه عن الحب والحياة ، هذا يشير الى ان جذور اشعاره تمتد بعيداً في تراب الوطن وتتصل بمشاعر ومفردات الناس البسطاء الذين انحدر منهم ودافع عنهم عبر انتمائه الفكري ، ومن هنا نجد ان اغاني ابو سرحان ذات لغة طفولية ريفية غارقة في الروح الفلكلوري الملون حتى لتبدو بعض أغانيه وكانها قطع من المنسوجات الريفية ذات الالوان النارية التي تعبر عن عواطف اهل الريف واشواقهم ولنلاحظ المفردات الفلكلورية والوانها وايحاءاتها:
غاد ابعد خليني احصد
واسمع رنات احجولي
اشرايد يحبيب تنشد
طولك ما والم طولي
مخوصر وعكالك مرعز
واحزامك فضة مرصع
ان هذه اللغة الموحية الملونة ليس من السهولة استعارتها بل لابد من معايشتها طويلا حتى تصبح جزءا من الشخصية وفي كل محاولات الشعر الشعبي لم يستطع احد اجادة استعمال هذه اللغة (لغة الريف) سوى ابو سرحان ومظفر النواب مستفيدا ابو سرحان من ريف البصرة ومظفر من ريف العمارة والغريب اننا نجد ان مظفر النواب وابو سرحان عبرا بهذا اللغة على لسان امرأة رغم ان ابو سرحان كان غالباً ما يعبر عن عواطف مجموعة من البنات وهذه احد اسباب اقتراب ابو سرحان من مظفر وليس معنى ذلك ان ابو سرحان واقع تحت تاثير مظفر انما لكل منهما عالمه الخاص المميز بالوانه وعواطفه رغم انهما يقفان على ارض واحدة وينحدران من منبع واحد هو (الريف) المسحور.
وهذا ما يجعلني الاحظ هنا ان كل الذين كتبوا غزلاً على لسان المرأة خرجوا من معطف مظفر الا ابو سرحان فهو عالم قائم بذاته له حدوده الخاصة.
يريد الكاتب الدكتور سعدي السماوي في مقالته ان يرسم جسراً بين اغاني ابو سرحان والفلكلور ويصور قصائده وكأنها خرجت من معطف الموروث الشعبي ثم يؤكد خصوصية الشاعر في هذا الجانب وتفرده .
ولكن ليس معنى ذلك ان الشاعر لا يملك ايقاعاته الخاصة النابعة من روحه التي تمتزج وتتوحد بايقاعات الفلكلور ولكنه عندما يتحدث عن نفسه بعيداً عن اجواء الفلكلور نجد انه يعطينا ايقاعات خاصة به كما نلاحظ:
وين يلمحبوب وين كلبي يلوب
تتحمل اذنوب
وين رايح وين والمن ادير العين
شلك عليه خايب خطيه
ولنلاحظ هنا:
مره مرني الطيف نسمه اعله جنح
وبلل اعيوني ابدمعتين الصبح
ونكط ابهيده اعله روحي الغافية اسوالف عرس
وجانت الكذلة ذهب
وجانت الدنية كرستال وشمس
يتحدث الكاتب عن الصور في اغاني ابو سرحان معتيراً اغانيه تتفرع من شجرة الفلكلور الشعبي وتعنى بالموسيقى والغناء والرقص ولذلك يجب ان لا نطالبها بالصورة الكاملة المستديرة ولا حتى بالمعنى الكامل المحدد انما هي تستثمر ايقاع الكلمات واجواء الكلمات اكثر من اي شيء.
ان اغنية مثل اغنية (ام زلوف) لا يمكن ان نجد فيها صورة كاملة واضحة الملامح انما نجد ان الابيات القصيرة اللاهثة والمفردات ذات الدلالة العميقة تعطينا في النهاية جواً خاصاً:
حبس بالبيت حبسوني
هلي بلا صوج.. هيبله
وصحت وابجيت ارحموني
انه المكروده.. هيبله
بعيد بعيد بالدنيا
تعال وياي.. هيبله
انكط الروح حنيه
واشربك ماي.. هيبله
امشنه ابكاع ما بيها
ظليمة وخوف.. هيبله
واعيش واياك واكضيها
ابطرك نفنوف.. هيبله
يريد الكاتب اقناعنا بأن الشاعر ابو سرحان لم يكن مبالياً بالصورة وان الايقاع يشد قصيدته وينسج كلماتها اعتقد ان بامكانه القول بان الصورة في قصيدة ابو سرحان كانت بسيطة وسلسلة ومتناغمه تناغم فطري قريب الى قلوب الناس وايقاع حياتهم وحركاتهم وكانت الصورة بسيطة صافية تندفع كالماء .
فهل هناك اجمل من هذه الصورة
حسنج كَمر …
لو شمس …
لو فرحه لو زفّه
خليني حدر الزلف …
ترجيه
أرد أغفه
ويعود الكاتب ليضع الابيات التالية للتوكيد على فكرته بارتباط قصائد ابو سرحان بالفلكلور الشعبي وايقاعاته وموسيقاه
خبره يبعد اروحيتي
عن روحي ناشف مايها
لولي وسولف حالتي
حال الكطاية التايها
لا لا لول لوه
خلخالي صاح اودوه
لا لا لا لول ليه
ترجيتي اتضوي عليه
خذني اعله جفك سمسمه
ما هي ثجيله ياسمه
وذبني ابحلاتي مديرمه
يم ولفي وانسه الغيبه
يلراكب مهره ازغيره
ويلشايل خنجر عربي
هي انه ابدربك ليره
نزلني ابكوشر ربي
من هذه النماذج نرى ان طبيعة الصورة في اغاني ابو سرحان هي ايضا قريبة من طبيعة الصورة في الاغاني الفلكلورية من ناحية كثافة احساسها وسذاجتها ودورها في بناء القصيدة
ولابد من تذكر الملحن المبدع كوكب حمزة الذي ابدع في تلحين هذه القصائد والبسها حلتها الموسيقية الساحرة التي كانت كالحلوى التي ذابت في افواه الناس التي ذاقت مرارة الظلم والطغيان والفقر .
لا اظن ان شاعرنا الغائب سيعود الينا لذا سأبكيه ماتبقى من عمري ، وسأعانق اشجار الارز واعاتبها بان تخبرنا عن مكانه نريد معرفة مصير شاعرنا الغائب ابو سرحان نريد ان نعيده الى وطنه الى ربوع البصرة او الى قرية جار الله في الشطرة او أية بقعة في وطني العراق واشد ما اخشاه ان تقول يا ابا سرحان : اتركوني حدر الارزة ارد اغفة.









