سفاح عبد الكريم
” كامل الركابي” شاعر عراقي من جيل مرحلة السبعينيات الماضية ناصري التولد بصري الهوى نشأ في بيئة شعبية ((الشمشومية)) المجاورة لمحلة الجمهورية في مدينة البصرة التي أنجبت الكثير من المبدعين والمثقفين والرياضيين والسياسيين من امثال الفنان فيصل لعيبي والدكتور محمد الطائي واللاعب هادي أحمد وكوكبة أخرى من الشعراء عُرفت بشاعريتها وشهادتنها من امثال الشاعر فالح الطائي وأبو سرحان وفوزي السعد وعبد الهادي عداي المشاري وقامتها الأخرى ومنها الشاعر الراحل علي الكعبي والمتفاني مهدي عبود السوداني والقائمة تطول، والشاعر المتحدث عنه يساري الهوى عشق الشعر الذي كتبه الشاعر الكبير مظفر النواب وشاكر السماوي واستأثر بالفنان الرائع كوكب حمزة وطارق الشبلي وفي ذاكرته اسماء أخرى استبشر بها ومنهم الشاعر علي العضب والفنان الرائع حميد البصري والمطرب الكبير فؤاد سالم ورياض احمد، منطلقاً من توجهه في الكتابة فارضاً باقتدار ضمن الكوكبة التي يمكن ان يقال عنها تصدح في الذاكرة. ومنذ اصداره الأول ” الگمره اوسع اليف النهر” قرأت في عينيه الشعر بعد ان زاملته طيلة الزمن الذي جمعنا.. ومنذ الوهلة الاولى عرفته إنساناً شفافاً لا يكمن الغيظ بل يؤكد على الشعر والصداقة أولاً. وهو الذي يستذكر الشعر وأهله وبالإجماع وهذا ما أكده الكاتب الأستاذ “حمزة الشمخي” في الصفحات الأخيرة من حوار اجراه معه في مجموعته الشعرية ” فوانيس” الصادرة عام/2008 مؤرشفاً ذكرياته وتضحياته وأماكن تواجده وترحاله إنه سفر بين المحطات والمرافئ والقطارات والبواخر. لذيذ في غـُصته وعذابه.. ونضاله مع الأنصار في جبال كردستان- العراق وبعد أن هاجر ونزح مع رفاقه الى تركيا وسوريا وعمل في اذاعة المعارضة العراقية وصافح وجوها شتى بقصائده ذهب الى ليبيا والجزائر ثم الى سوريا وبعدها الى مستقره الأخير في السويد المنفى والحضور وهو في كل المواقع التي ركن إليها يوعد بتجربته الشعرية المتقاربة في فعلها مع الشاعر ريسان الخزعلي الشاعر الخالد الذكر رحيم الغالبي وجمعة الحلفي ورياض النعماني مُغايراً في نهج لغته وتصوره وتطلعه مكتوباً بقصائد الشعراء الرواد وعلى رأسهم الهرم الإبداعي الرائد مظفر عبد المجيد النواب والشاعر الكبير شاكر السماوي والمبدع عزيز السماوي (صديقه الحميم) وعلي الشيباني وطارق ياسين وكريم محمد وعريان السيد خلف وناظم السماوي والرائع أبو سرحان وكاظم اسماعيل الگاطع وشعراء مبدعون آخرون.. كالشاعر عبد السادة العلي وكاظم الركابي وغيرهم.وقد اكد حضوره مُجدداً فينا في “فوانيس” الناطقة بعراقيته وانسانيته ونضاله الممتد اكثر من اربعين عاماً- وحقائب سفره مغلقة مثل صليبه- يطوف المدن وتتجلى في مخيلته الذكريات طافحاً قفي خجله البصري وفي جهد خرائط الزمن وفي عينيه تطلعات الشعر الصادق الشفيف والملتصق بمشاعر الآخرين حاملاً مشعل الحرية والصداقات النبيلة والعهدة التي أوجدتها فيه مُسبقاً. وهو في ذاته النقية التي لم توعد بـ(الأنا).. يترقب اهل الشعر وناسه وفي ضميره الأناشيد الثورية والرومانسية مُبتدئًا في “يا موطني” وتفاصيل عود الفنان جعفر حسن وجعفر الخفاف وطالب القره غولي ومبدعين. وفي قلبه جواز سفره المُطلق الذي يجوز العبور به الى المدن البعيدة والقريبة – ذلك الغنتاء الجميل- صوت أمه الذي اعتقد به أولاً مشروعاً ابداعياً في سفره الميمون.
” يا سفر گلب أمي نجمه.. ضوّت الليل الطويل
يا سفر ندمه ابتعدنه.. ظل جرح بين الرحيل
يا سفر گمرة وَطنَّه الغالي تبعد..
والبيوت ابغير أهلنه.. إشلون تبعد..
.. وانته واشراعك أصيل”.
إو نجمة گلب أمي الحزين
ضوّت الليل الطويل..”
إنها صور تدرك بالمعنى لا بالتجسيد والشكل كما يكتبها البعض بل هي تستكمل بالقراءة لما بعد الحدث مترجمة اللحظات التي أحسها وترجمها شعراً تنهض بالتجريب لاكمال وتشخيص معالم الحدث مؤثرة معالم تجربته وبوضوح صوب الحداثة والإبداع ضمن منطوق المدارس الحديثة للثقافة والشعر…إن الياقع الشعري الذي يوصف للالتصاق مع تجربة الشاعر والوعي والمكونات الأساسية جعلت منه مشروعاً ابداعياً جميلاً تأسس على خلفية صحيحة.
” يا سفر ما تعرف إشعندي محطات إو حدود
باچر إتصحي سمانه گمر عالبصرة نعود…”
إن ما تحقق تقريباً في العودة الى النبع الأول أحست مصداقيته في رغبة اللقاء بالأهل والوطن والعودة الى الذكريات في شارع المتنبي ومقهى الزهاوي ومناطق أخرى غادرنا اليها مُنفرداً للاستمتاع بها ثانية في مدينة البصرة..إنها صور قد لا تشابه ما ظنتهُ مخيلته قد يضيفها متاهات اخرى على غير هيئتها وبصياغته وتطلعه الى المشهد الشعري الواعد. إن اضاءته للخفايا التي توقظ الذات بالفعل تأتيك بكبريائها الشعري المنتخب والمعهود منه كما كان سابقاً:
” اللهب بالتنور والدم بالحمل
والشمس بالبيت والفيّ مشتعل..!
رجعت الأم إبطبگها.. عشر خُبزات إو طفل”
إن امكانية تحديث النص الشعري في تجربة الشاعر كامل الركابي هو المشروع الذي يسعى اليه مُبتعداً عن كل التشنجات التي تضمر بالشعر ولم توصلنا غنائيته فهو ضد هذه التكلسات التي تحجب الرؤيا الجمالية والحداثوية التي انتهج البعض منا في توجهه للشعر الأصلح مع الإحتفاظ بروحية وموضوعية وأبطال قصائده التي يتحرك من خلالها وبها يستلقي ملتئماً على تجربته الشعرية الحميمة الملتصق معها روحاً وقالباً- شعوراً ونضالاً وتطلعاً ومحبة… يتفاعل بمصداقية مع الحدث الذي تزخر به ذاته التواقة للأمل بعد جموح الرغبة فيه:
” روحي تزهر بالمحبة إو بالصداقات الجميلة..،
روحي ما باعت حبايبها أو على دروب الوفه راحت تغني..،
گمر لجل اعيونهم ما تبخل او عمر الصرايف من ضَوّت لليوم ما صارت بخيلة”
إنها انهيالات الروح في تداعياتها مؤكدة الرغبة في طموح الذات بالوصول بالشعر الى أهله وبنهجه اللغوي الذي اختاره بكل شفافية بما أراد بدءًا من فعل ينعش القلب ويضيء الذاكرة برواياته التي يمر الهواء الينا منها بصحوة لغرض النهوض مجدداً لاغية بنا الهم الأكبر في نشوتها مطمئنين بها على تجربته الشعرية الواعدة.
” يظل محظور طيفك يلعب ابعيني..
أحبك لا تخليني شجر أصفر خريفي وانته اخضر دوم..
أحبك حتى من اتصير مر… ما صخ… حلو… مالح…،
أحبك حتى من إتغيظ روحي إو عينك اتواكح”.
إن هذا التوجه الجمالي والإيحائي اللامحدود من حيث يشعر أولا يشعر به- إنه منطق الروح الحقيقة بالوقوف على ماهية الشعر وما يجب أن يكون عليه. إنها غنائيات تذهب بك الى مناطق الدفء والجمال وطموح الرغبة- معتمداً على فيض المشاعر.. وبالتقطيع اللفظوي والصوري وبحصيلته يكون غادر المناطق الى الحضور الدائم في حضرة الذاكرة التي تشعر بالغناء الصحيح اثناء التوجه:
” شفت ورده أزهرت ما بين عاگول..!
، تمد رگبتها لخيوط الشمس.. تحلم عمرها ايطول،
لچن هالشوك.. آه الشوك..
.. خنجر حسد مسلول..!
فهو في الانهيالات النثرية شاعر. تدخل عوامله المنطقة الشعرية التي يتوجس بها وهو ما مثله الشعراء المبدعون وفي الطريق معهم يكون قد أسس له مشروعاً يأمل منه بالنضوج اكثر فيما بعد معتمداً على اللغة المدروسة المنتقاة من معجم الحياة المنهجوي في اللغة لما فيها من تجسيد لحدس الرؤيا الجمالي والدلالي الفائض بالمعنى المتأكد فعلاً في الحضور والتلقي ضمن التوجه الصحيح للمدارس الأدبية الحديثة بعيداً عن الخبطات الشعرية غير المألوفة فهو يقول:
” شفت مرة حلم يبچي.. گلتله إشبيك..؟!
گلي اعيون أحبها ابعيد..
، سكت ما بعد البچي…”
ولذكريات الشاعر كامل الركابي صدى في ذاكرته فأحلام الطفولة صور في عينيه لا تفارقه ” فنخلة الساعي” .. عنده مقدسة يرنو اليها وهو في المنافي البعيدة يطل عليها وتمتد يداه اليها رغبة في الحصول أو الاطراء او الوفاء اليها لما اعطته من تجليات اغنت مخيلته الشعرية :
” أمست بروحي السنين.. إو ما صحت كل ليله غيمه..
، تمطر الوحشه سواجي إو تمسح إمن العين صوره
، نخله شبت وي بيوت أهلي القديمه..”
وكم هو النخل العراقي الذي يتفاءل بهِ والذي بمؤشراته الاجماعية يكون قد تعانق رغبة منه في الاستذكار لغرض المكابرة والوصول به الى الأماكن التي لم تكتشف بعد:
” السنين إتفوت.. واتروح السنين..
والعمر ناحل نزع لون الخريف
تلصف الوحشه على إعيونه رصيف،
، منطوي إو مكسور من يوم إنكساري.. إو غربتي”…
إن السفر الموحش أعطاه من الحنين والشوق الى عوالم الألفة والمحبة إنعطافاً آخر تجلى فيه الإرتقاء بتجربته الشعرية طموحاً في الوصول بالقدر اللزومي للالتصاق مُجدداً بوظيفة الوصول بالروح الى ذهن المتلقي من جديد وبالشروع بالنهج الإبداعي التواصلي:
” العطش عالشفّه تبدّه”
وكذلك..
” الناس بعض الناس من قلة فهم لو ذوق..،
، من قلّة نظر تحسب ذهب نفسك نحاسي..،
– اتعيش طول العمر ما تگدر تفرق… بين طيب طبع أخضر..
أو بين أصفر دبلوماسي”.
إنه في النوم حذر من ارهاصات الحلم وفي اليقظة يتوجس ما فعله حلم الدهر فيه ومن توقعه في مشاهدة الذات بعين المتوعد بالشعر خوفاً وإجلالاً لموعده الذي بشر به.
” إنته شاعر بيت، وحگ ما بعد حُبك خرابه.
بيها منطفيه الأغاني إو بيها منسيه الرُبابه..”
إن للشياطين فيه حضوراً تتنقل به حتى تجعله منساقاً تحت رغبتها أحيانماً لكنه ينأى بها مُحتسياً برغبته منذ زمن وبنشوة خمرته المعقولة. التي قد تجعله أن يكون اكثر صحوة من قبل.. حيث ارتشف من المعطيات أشياءه الأخرى..
” آنه عمري إللي تعدّه ابحلم ما خَوفت نمله..
، إشلون أخوّف بالسكر أحلى العيون..!؟
جاوزتني أيام سود إو سامرتني إظنون سود..
روحي ضاعت بالميادين.. بالبواخر.. والحدود
مُرّه من شاعر الحكمه ألتمس حِكمه..
إو مرّه من شاعر الكاس..
، إتطوف روحي وسط الكاس روحي..
– آنه من أسكر طفل يحبني.. إلحضن أمه يعود..”
إنها تجليات صوريه منطقيه يعتز بها ونستمع بشاكلتها وصحوتها فهو في كل الفصول مُخضراً- تورق اشجاره الربيعية فينا أزهاراً ندية لا يهمها الشتاء السويدي البارد.
” بينك إو بين العيون أو شجر شتوي..
إو من بعيد إتذوب نظرة شمعتي
والمسافة الخالية إن الورگ مِني.. أشجار خيط إن الحچي..
إو ما يهمنه الغصن بالشجره.. طِفل.. ذابل.. حزين..”
إن الجينات أو الكائنات التي يتعامل معها الشاعر كامل الركابي والتي تستوقفه أن يكون فاعلاً فيها ما هي إلا وصولاً بتشكيلاته الشعرية المتنوعة الى الحضور الدائم لدى المتلقي ولإغناء المشهد الشعري الحديث المتطلب منا جميعاً: فهو والأعمى سويةً وان النظر اليه هو الشعور بمحبة ومصداقية الرغبة في إنتشاله من الواقع الذي ألمَّ به:
” نِزل أعمى إبفندق الرحمه نزيل
لا عصا إتگوده ولا عِنده دليل.. إو لا سمع حنحنه خَيل..
صاحب الفندق بنى الگبره مزار.. باب فضه إو ماي بارد سلسبيل
الناس والدنيه إبحضرته إتطوف بالهَّم أو تسيل
اللي إيريد ايزورك إنته.. الأولى إبنك يا “ابراهيم الخليل”
ترى ما بعد هذا العالم الذي ينأى بهِ الشاعر والى أي مكان شعري يريد، وأنا في صومعة شعره صديقاً ملازماً مثل بداياتنا- إذن لنبقى معك نتوضأ في نهران مائك الشعري إحتفاءً – ولنبقي الطهاره فيك صحوه- وهذا ما نتطلعه منك ايها الشاعر الذي لا نكتفي به إطراءً ولكن سوف نشاهد فيك ومن المتأكد من فعل الشعر فيه واعداً- يا صديقي – الشاعر المتمدن من حوارياتك الجميلة.









