ثقافة شعبية

الشعر الشعبي العراقي الحديث.. حدود التجربة واللون… (دراسة في الجوانب الإبداعية للقصيدة الشعبية الحديثة)

ريسان الخزعلي 

 

جماليات الرمز

كانت ظاهرة استخدام الرمز وعلى أصنافها: الرموز الأسطورية، الرموز ذات الجذور القومية والفكرية،الرموز المستقاة من القصص الديني، الرموز الوطنية، رموز التراث العري والعالمي، الرموز الشعرية..، من التقنيات التي اتضحت ملامحها واستخداماتها في القصيدة العربية الحديثة، ومنذ نشأتها، وخاصة في شعر بدر شاكر السياب، حيث انه اسبق شعراء جيله توحداً بالرموز والشخصيات التي اكتسبت الطابع الأسطوري، فأكسبت صنوف عذابه الذاتي شمولاً وجعلها تعبر عن عذاب عام، وقد كانت سابقته الشعرية هي في كيفية التناول والتوظيف، وفي طرقته الذكية لاختياره الرموز التي تضفي على التجربة الشعرية البعد الإنساني المطلوب.، وقد انعكس هذا الاستخدام او هذه التقنية في مجمل روح الشعر العربي الحر الحديث، وان كان هذا لا يعني بان الرموز لم تستخدم في شعرنا العربي قبل ثورة الشعر الحديث، فقد كانت بواكير استخدامها واضحة عند شعراء المدارس والجماعات الشعرية، ابولو والديوان، المازني والعقاد، علي محمود طه وابو شادي وكذلك ألياس ابي شبكة، الا ان ذلك كان بدرجة تقل عما هو علية في القصيدة العربية الحديثة وبالتحديد قصيدة الشعراء الرواد في الشعر العربي الحديث. كما ان ظاهرة الرموز واستخدامها وبكل الصنوف المشار اليها قد برزت في عموم تجربة الشعر العالمي.

اصبح استخدام الرموز يفيد في استحضار دلالة هذه الرموز عن طريق الثقل المكتنز في هذه الدلالة وليس باستخدامه كوصف مباشر بل في الاستخدام الأيحائي له، وبالشكل الذي يغني العمل الفني ويشحنه بطاقة جديدة إضافية اعتماداً على ثقافة الشاعر الذي باستطاعته ان يضفي علية طابعاً شعرياً منسجماً مع لونه واسلوبة. ان الشاعر الشعبي الحديث ادرك لاحقاً اهمية التحول في فهم دلالة الرموز واستخدامها بنجاح- رغم ندرة سعة هذا الاستخدام- يضاهي استخدام مجايلية من شعراء القصيدة العربية الحديثة رغم ان (القصيدة الشعبية لم تشهد استعمال الرموز، الميثولوجيا، الفولكلور… الخ) في بواكيرها الأولى

ولاضير من هذه/ اللاحقاً/، لاسيما وان القصيدة الشعبية قد جاءت بشكلها الحديث بعد ان تركت ثورة الشعر العربي الحديث ظلالها على العديد من الفنون الأبداعية ومنها القصيدة الشعبية كما اسلفنا. ان ذاكرة الشاعر الشعبي العراقي الحديث- اسوة بزملائه من شعراء القصيدة العربية الفصيحة الحديثة- تزدحم بالرموز وبكل دلالاتها الموروثة من القصص الديني او التاريخ الوطني لبلاده وابطالة الشاخصين والمرتكزين في الوجدان والضمير او من تراثة الشعبي الضارب في جذور الزمن والذي يتواصل معه بمخيلة خصبة، (فالشعوب ذات المخيلة الخصبة كانت تجد في الرموز وجوداً حاضراً، يمثل عدة شخصيات هامة من تاريخها). او من اطلالته المشرقة على الأرث الحضاري للأنسانية عموماً واستفادته من كل مايعنيه في وضع الأجوبة لأسئلته المتواصلة، فالشاعر مسكون بالأسئلة..، هذه الأسئلة التي تجعل نومه مضطرباً وقصيراً، مداهماً بالواقع ومواجهاً له، من هنا يستخدم الرمز في ايحائية وبما يرتبط بهذا الواقع وبما يساعدة على خلق عالم لامرئي، علم لم يعايشه زمنياً بوجودة على الاعم، بل باستحضاره وخلقه واذابته في خصوصيته الروحية كي يجعلة اليفاً مع هذه الخصوصية (هوشي منه، جيفاره) عند الشاعر الكبير عريان السيد خلف مثلاً وليس حصراً. يقول/ مالارمية/: استطيع ان اخلق بخيالي زهرة لايوجدلها شبيه في اية حديقة من حدائق العالم، ومن هنا يكون الرمز معبراً عن تغيير تقدمي واجتماعي، تمرد فكري بأتجاه تلمس ينابيع الضوء وليس حركة احتجاج، انه حالة من تمكن اللاممكن قلنا ان الشاعر الشعبي الحديث وبالتحديد من شعراء الموجة الاولى المحدثين، قد تدارك موقفه الفني، وشخص قصور قصيدته وتأخرها في استعمال الرموز، واستخدمها لاحقاً…، فألى اي مدى استخدم هذه الرموز؟ وبأي من اصنافها؟

وعلى اية مساحة كانت تتحرك هذه الرموز؟ ان القراءة الفاحصة لنتاج شعراء هذه الموجه، ترينا ان الرموز كانت متنوعة وتتباين في حجم وكثافة الأستخدام لديهم:

 الرمز في شعر مظفر النواب

مظفر النواب في شعره الشعبي لا يستخدم الرمز بدلالته المعروفة المستقاة من الجذور الدينية او التأريخية او الفكرية مباشرة وانما تنحصر مهمته في استخدام الرمز عندما يكون هذا الرمز قد احسه وادركه من مواجهات الواقع، والواقع المعاش فقط.. اي من الأصطدام الحاد مع حركة الحياة اليومية، ولهذا تعليله..، فالتجربة التي يعيشها النواب، تجربة تبني كل مقوماتها الفنية من انعكاسات حسية حادة تضرب بعيداً على وتر متوتر في الروح، مما يجعل هذه الرموز ملاذاً وخلاصاً من الأزمة كما يتصور النواب ذلك، ولهذا لاتتعدى رموزه سوى مسميات الأشخاص- الريفية في معظمها- (حمد، سعود، لعيبي، صاحب، حجام، غنيدة، غيلان، حرز، ازيرج… الخ)، واحياناً يضفي على التسميات صفة عامة واحدة هي (فلان) او (فلانه)، وبلغة نقية عذبة، هائلة التكوينات ضمن نسيج ونشيج خاصين، حتى وان لم تكن تجانس هذه الريفية، الا ان هذا لايجعل من ادراك الأيحاء الرمزي لهذا الأسم او ذاك شيئاً مستعصياً، بل ان اللغة تضيء الرمز اكثر وتخرجة من منطقة العتمة/ لدى البعض/ حيث لايوجد مايضمن ان مثل هذه الرموز معروفة للجميع.. (ان مضفرا انما يجعل اللغة الريفية شكلاً لاعلاقة له بالذهنية الريفية، فشعره مشحون بمعطيات فنية معاصرة تجعلها غريبة جداً على الريف وابن الريف). الا ان /النواب/ يجعل من هذه الرموز- المسميات هالة سحرية متفردة يختلف فيها الجنس والطفولة والسياسة والغناء..، وتلك هي حالة عامة في قصائده، لهذا ربما يرى ان لاحاجة له بالرموز الاخرى في هذه المملكة المتنوعة الساحرة، وخاصة عندما تكون القصيدة على لسان امراة (وكثيرة هي القصائد التي يردها النواب على لسان امراة ولهذا تعليله النفسي وله مقام اخر خارج متن هذه الدراسة) (آنه أرد ألوگ الحمد.. مالوگن إلغيرة، يجفلني برد الصبح واتلجلح الليرة، ياريل بأول زغرنه العبنة طفيره، وهودر هواهم ولك حدر السنابل گطه. چن حمد فضة عرس چن حمد نرگيله، امدگدك ابمي الشذر ومشله اشليله، ياريل ثگل يبوية وخل أناغليله، يمكن اناغي ابحزن منغه ويحن الگطه…، الله العيبي ولعب إعيونك ضمينه الحنة نتانيكم، هاي الگذله تموت بحزنك والروح اخضيره ابطاريكم….، ياغيلان، ياغيلان ازيرج گلب شيصبره؟؟، اخذ كل الزلم واملي السفن ياعيني الله اوياك، وفد چلمة عشك حلوة اظن الها مچان هناك…، هاي انه الحضنك لاتلم روحك، اضمك بالگصايب عين لتلوحك، يصويحب أفي الفيه لجروحك… الخ)

*.. ان النواب ليضفي على رموزه /ابطاله صفة اسطورية للدلالة على التضحية التي تستمر بها الحياة، كما انه يضفي عليهم صفة الخلود والبقاء، وهذا ما يسفر ايضاً، كون أغلب رموزه من الريف لأنهم اقرب الناس واشدهم التصاقاً بالماء والارض والعشب والتراب، واقربهم للموت والأنسحاق، والحياة الأسطورية في مقارعة التعب وويلات الطبيعة وشطف العيش وخاصة في الفترة التي تحياهى تلك الرموز، ولهذا جاء تعبير النواب عن رموزة باستخدام الصور واللغة التصويرية، واشاعة المناخات الريفية بكل فولكلوريتها- في معظم قصائدة:

(المزبن، اللف، البته، الطوفة، اليشان، التبن، الغترة، الدخلة، العگل، الزبون…الخ)

وذلك لغرض تشكيل الرمز بمحيطة، لذلك تحيينا أغلب قصائد/النواب/ وهي تتشكل باستمرار صفحات او لوحات فنية مختلفة الألوان بأنسجام سحري ولمسات ذوقية يندر مثيلها..، تشيع البهجة في النفس رغم مرارة موضوعاتها..، (ان الشاعر يحاول ان يتحدث بلغة تصويرية في مفرداته وجملة، اي انه يعيد الى اللغة دلالتها التصويرية الأولى، بما يبث في لغته من صور وخيالات، فالشاعر يحاول ان يعيد الى اللغة مافقدته خلال تطورها من ترابط بين الرمز اللغوي الاشاري –الكلمة- وبين صورة مدلولها. وهذا يتطلب من الشاعر جهداً اخر، يعبر عنه /ت.س. اليوت/ بقوله: مهما كانت الكلمات التي يستخدمها الكاتب، فأنه يفيد من معرفة اكبر قدر ممكن من تأريخها، ومثل هذه المعرفة تسهل عمله بأعطاء الكلمة حياة جديدة واللغة عبقرية خاصة، فجوهر التراث هو في اعطاء اكبر قدر ممكن من الثقل الكلي الكامن في تأريخ اللغة وراء هذه الكلمة، كما ان اللقاء بين الرموز والأسطورة لقاء اصيل، فأسطورة رمز من بعض نواحيها، واذا كان للشاعر ان يخلف رموزه الخاصة به، فتتخذ بعض الأشياء مساراً خاصاً في ذهن الشاعر لتكون رمزاً متصلاً بتجاربة الخاصة وتعتمد على الشاعر في تحميلها بالدلالات الشعورية التي يكثفها فيها) كما ان الشاعر الكبير /مظفر النواب/ يبث شيئاً من التفكير الدرامي في اجواء قصائده التي تكتب عن الرمز، كي يجعل من هذا الرمز جسراً بينه والآخرين، ولهذا يحاول ان يعدد او يكثر الأصوات في القصيدة لشحن الحدث بنار اخرى، وتجسيده وتشخيصه كي يلتقي مع احساس وشعور الأخرين، وتلك هي تشكيلة درامية تختلط فيها ذات الشاعر ورمزه والتجربة الحياتية /الفنية…(حرز مامات يل شامت هلك ميتين….، وجرح جنحي الطفل ياطوفه غصن التين، وجنح غنيده دگ جنحي، وكسر عمري وعدنه سواجي وبساتين، بالحفرة كبرنه اسنين، وردينه لهلنه اهدومنه اتنگط محبة وطين….، سعد يسعود يمصنگر عله الحومة غضب ارگط، يمهرك من يشگ الليل نجم اذويل ايعطهم عط، صيحاتك تهز الموت كل صيحه ابألف أمعط، واخيتك تنذر الدنية، امن اتشوف العدو ينحط، يسعود احنه عيب انهاب يابيرغ الشرجية، خل الدم يجي طوفان كلنه انخوض عبريه…، لتفز عن نثايه العين شدنه، ميلن وردة الخزامة عل الحنه، صويحب ابد منه، هذا ايشان ماينذل للأگطاعي، وابليل منجله ايداعي…، ياجد الگصب والخير والعنبر، ياجدي اللي گلبك طير، يحب الماي والبيدر، اخذها لهورك الضميت بيه اجروحنة امن اسنين، ضمها الصدرك التعبان  اوخفى اچفوفها من الطين، اغسل رحمها بماي ازريرج واحرگ النطفة، احرگها يجدي لا الگمر يطفه)

وصحيح ان /النواب/ ترد في شعره –سواء كان ذلك قصائد /للريل وحمد/ او من خارجها- اشارات لأسماء دينيه (الحمزة، علي الشرجي، العباس، الزهرة، القاسم) الا انها لاتشير الى دلالة عميقة في استخدامها هذا، مما يجعلنا ان نعتبرها رموزاً في قصيدة، وانما يتشكل هذا الأستخدام مع حاجته الأولى التي اشرنا اليها في اللجوء الى المسميات، واحياناً لاتختلف هذه الحاجة مع فهمها الشائع، الا ان وقعها الجمالي يتشكل من اللغة والصورة- العناصر الاساسية في قصيدة النواب: ( سمعنا العسل بشفافه، لگينه إبچفه طعم الخاصرة وسرعة نفسها الحار، لگيناهه عله العاگول فرحانه، دخيلك /ياعلي الشرجي/ لگيناهم، ولك ماتنحچه السالوفه يبنادم، وگعنه ابحلگ الغرايف، سالوفتنه حطاهه السلف وردة شذر بخشوم المشاحيف…، العب العب، يابعد خالي عليك /الحمزة/ بوحزامين تلعب…، يلي شوفتك شباچ /للقاسم/ وادخول السنة ابملگاك، يافي النبع واطعم، عطش صبير ولافرگاك….، تأمل بينه يحبيب، رصعة الحنچ في گمره، نسيت الروح يايمه ابطبگه الترف/ والزهرة/ شدهني وتلها من ايدي وعگدها ابطارف الغترة) ان انعدام الاستقرار المكاني في حياة النواب، وغربته بشقيها الأرادي والأضطراري وبالتالي محنته الحياتية الحادة لم تكن لتستنهض رموزها الجديدة لأن في قلقه وحسيته مايعوض العودة الى الرمز، وكونه منشغلاً بالكامل بالمواجهة والأصطدام لذلك لا يلتفت الى الوراء كثيراً.. حيث لا فرصة للتأمل والنبش في ذاكرة التأريخ للاستنجاد به رمزاً يعوض عن مفقوداته ولم يكن باستطاعته موازنة هذا الأضطراب المكاني اليومي الا والأيمان بالعودة من حيث أتى (يجي يوم انرد لهلنه)..، وهذا يتطلب اهتماماً بعناصر اللغة والصورة الشعرية وبناء القصيدة بما يفوق الأهتمام بالرمز، وهكذا فعل النواب ذلك بتفوق كي يجعل من القصيدة رسالة تنبض بالود والشوق ونزيف الغربة ووحشة المسافة، لذلك كانت /الأرض/ بكل دلالاتها هي رمزه الكبير الذي يختصر به كل الرموز..(يگضن وأرد ياديرتي لحسنچ واموتن عالتبن، شوگي الچ شوگ الگطه التايه وموعات الدهن، هم انه اضوگ اميتچ؟! واركض ابزخات المزن، دونچ يحز ابلوزتي الخنجر واكابر عيب اون، تانيني ياديرة هلي وخلي الرصاص اعله الچف، ايام المزبن گضن.. تگضن ياايام اللف……، ياما توچي ابجرفچ انجوم الليل، والگمره خذوها ابعيد الغراريف، وياما العنبه عريانين وما نعرف ولا ندريش، ياماي العروس اتوگع اسواليف، يانهران اهلنه.). لقد كان /النواب/ للعودة من حيث اتى، لايزال يشكل نبضاً مسموع الضربات، ويبدو على العكس/ وهكذا كنت ولا ازال مسافراً بلا عودة/لأن هذه العودة تشكل رمزاً متجدداً يترسب في قاع روح النواب.. (والسنابل حين يچتلها العطش، تكسر اظهور اعله مي اجذورهه)..، ولأن /النواب/ في تجربته الحياتيه/ الفنية، يحاول ان يتفرد دلالة ورمزاً، ولأنه/ شاهد اخطاءه وقادم منها/ فكلما حاول ان يخفي مفاتيحه- رموزه.. فانه يفضحها جمالياً..( اتلمس ثلاثيني وازتهن شدة امفاتيح، مارهمن ولامفتاح، لا افتك العمر بيهن ولا افتكيت)..، الا انه من اجل رمزه الكبير /الأرض/ سيبقى: (امصوب واخفگك عالگصب والليط صار اجناحي، كلساع اطيحن واهجس الذلة واشبن صاحي، معتب يدهري، شكثر حسباتك وروحي اتناحي.)…

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان