ونحن في غرة الشهر الفضيل، رب سائل يسأل عن السبب الذي فرض الله من أجله الصوم علينا، ولماذا حدده بثلاثين يوما؟ وماذا يحدث لأجسادنا حين نصوم عن المأكل والمشرب؟ وهل من فائدة من الامتناع عنهما طيلة يومنا؟ وغيرها من الأسئلة، التي لو فقه المسلم الإجابات عليها لسارع الى قضاء هذا الفرض بحسب ما أمره الله تعالى. فحين خلق الله تعالى الإنسان لم يدع -حاشاه- كل صغيرة وكبيرة في الكون إلا وسخرها لخدمته بشكل او بآخر، فقوله تعالى: «وسخر لكم ما في السماوات» يقصد الشمس والقمر والنجوم. كذلك قوله: «وما في الأرض» ويقصد من دابة وشجر وجبل وجماد وسفن. مقابل هذا جعل الله الإنسان في أحسن تقويم، وبما ان جسم الانسان يحوي مليارات الخلايا، كذلك عشرات الأجهزة والمنظومات المعقدة التركيب، فبطبيعة الحال يكون أسلوب حياته ونمط غذائه ومايدخل جوفه من طعام، له دخل كبير على صحته وسلامة أجهزة جسده. لذا كتب الله علينا الصيام، لحسابات علمية وطبية دقيقة، تضمن لنا بالنتيجة جسدا معافى صحيحا بعيدا عن السقام والعلل.
معجزات الصوم من وجهة نظرعلماء الطب
يقول تعالى: «وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ».(البقرة: 184). لقد أثبت علماء لايدينون بالدين الإسلامي، ولايعيشون في بلاد إسلامية، ان للصيام قدرات مذهلة في القضاء على كثير من الأمراض التي استعصى على الطب الحديث علاجها، وهنا تتضح وتتجلى المعجزات العظمى في تشريع الصوم :
إعداد/ علي لعيبي
المعجزة الأولى:
ضرورة الصوم لكل إنسان:
حيث يعتبر العلماء اليوم الصوم ظاهرة حيوية فطرية لا تستمر الحياة السوية والصحة الكاملة بدونها. وأي إنسان أو حيوان إذا لم يصم فإنه معرض للإصابة بأمراض مختلفة، وأن كل إنسان يحتاج إلى الصوم، يقول (ماك فادون) من علماء الصحة الأمريكيين (إن كل إنسان يحتاج إلى الصوم وإن لم يكن مريضاً، لأن سموم الأغذية تجتمع في الجسم فتجعلـه كالمريض، فتثقلـه ويقل نشاطه فإذا صام خف وزنه وتحللت هذه السموم من جسمه وذهبت عنه حتى يصفو صفاءً تاماً، و يسترد وزنه ويجدد خلاياه في مدة لا تزيد عن 20 يوماً بعد الإفطار. لكنه يحس بنشاط وقوة لا عهد لـه بهما من قبل). ومن أهم الفوائد الصحية للصيام:
1 – راحة الجسم و إصلاح أعطابه.
2- امتصاص المواد المتبقية في الأمعاء والتي يؤدي طول مكثها إلى تحولـها لنفايات سامة.
3- تحسين وظيفة الـهضم، والامتصاص.
4- تستعيد أجهزة الإطراح والإفراغ نشاطها وقوتها وتتحسن وظيفتها في تنقية الجسم، ما يؤدي إلى ضبط الثوابت الحيوية في الدم وسوائل البدن. ولذا نرى الإجماع الطبي على ضرورة إجراء الفحوص الدموية والمفحوص صائماً. فإذا حصل أن عاملاً من هذه الثوابت في غير مستواه فإنه يدل على خلل ما.
5- تحليل المواد الزائدة والترسبات المختلفة داخل الأنسجة المريضة.
6- إعادة الشباب والحيوية إلى الخلايا والأنسجة المختلفة في البدن.
7- تقوية الإدراك وتوقد الذهن.
8- تجَميل وتنظيف الجلد، يقول (الكسيس كاريل) الحائز على جائزة نوبل في الطب في كتابه الإنسان ذلك المجهول: (إن سكر الكبد يتحرك ويتحرك معه أيضاً الدهن المخزون تحت الجلد. وتضحي جميع الأعضاء بمادتها الخاصة من أجل الإبقاء على كمال الوسط الداخلي وسلامة القلب. وإن الصوم لينظف ويبدل أنسجتنا)
المعجزة الثانية:
المعافاة الكاملة بدنياً ونفسياً وروحياً:
يوفر الجسم بفضل الصوم الجهد، والطاقة المخصصة للـهضم، ويدخرها لنشاطات أخرى، ذات أولوية وأهمية قصوى، كالتئام الجروح، ومحاربة الأمراض. والصيام وقاية للجسم من الحصوات والرواسب الكلسية والزوائد اللحمية والأكياس الدهنية وكذلك الأورام في بداية تكونها. كما يخفض نسبة السكر في الدم إلى أدنى معدلاتها، ويعطي غدة البنكرياس فرصة للراحة، والتي تفرز الأنسولين الذي يحول السكر إلى مواد نشوية ودهنية تخزن في الأنسجة، فإذا زاد الطعام عن كمية الأنسولين المفروزة فإن البنكرياس يصاب بالإرهاق والإعياء، ثم يعجز عن القيام بوظيفته، فيتراكم السكر في الدم وتزيد معدلاته بالتدريج حتى يظهر مرض السكر. وقد أقيمـت دور للعلاج في شتى أنحاء العالم لعلاج مرضى السكر باتباع نظام الصيام لفترة تزيد على (عشر- عشرين) ساعة ودون أية عقاقير كيميائية، ثم يتناول المريض وجبات خفيفـة جدا، وذلك لمدة أربعة أسابيع متوالية. وقد جاء هذا الأسلوب بنتائج مبهرة في علاج مرضى السكر.
أمراض يعالجها الصيام
لقد ثبت للأطباء ان الصوم علاج ناجع لكثير من الأمراض منها؛ الشقيقة (الصداع النصفي)، الربو القصبي، الأمراض الالتهابية، أمراض الغدد الصم وضعف الخصوبة، البدانة وداء السكري إذا لم يمض على الإصابة أكثر من 5 سنوات، حيث تصاب غدة البنكرياس بالتلف، وبالتالي لا يفيد الصوم في تنشيط الغدة وزيادة فعاليتها. كما ان الصوم فعال في علاج ضغط الدم، وارتفاع الكولسترول. ويتفق الباحثون على أهمية الصوم الحيوية، حيث أن تخزين المواد الضرورية في البدن من فيتامينات وحوامض أمينية يجب ألا يستمر زمناً طويلاً، فهي مواد تفقد حيويتها مع طول مدة التخزين، لذا يجب إخراجها من مخازنها واستخدامها قبل أن تفسد، إن الصيام يمنح الجهاز الـهضمي وسائر الأجهزة والغدد الراحة الفيسيولوجية التي تجعل الجسد يحصل على فرصة للتجدد، فتعود الوظائف نشطة، ويصبح الدم أصفى، وأغنى بكريات الدم الأكثر شبابًا، وهذا التجدد يظهر أولاً على سطح الجلد فتصير البشرة أنقى، وتختفي البقع والتجاعيد، أما العيون فإنها تغدو أكثر صفاءً وبريقًا.
المعجزة الثالثة:
أقل فترة للصوم شهر واحد في العام:
في عام 1976 أكد البروفيسور نيكولايف بيلوي من موسكو في كتابه «الجوع من أجل الصحة»: (أن على كل إنسان أن يمارس الصوم بالامتناع عن الطعام لمدة أربعة أسابيع كل سنة كي يتمتع بالصحة الكاملة طيلة حياته). وهذا الرجل أثبت هذه الحقيقة عام 1976 أي بعد نزول القرآن بـ (1396) عاما، إذ كان نزول الأية: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» في السنة الثانية للهجرة.
المعجزة الرابعة:
في تحديد زمن الصوم اليومي من طلوع الفجر إلى غياب الشمس:
زمن الصيام الشرعي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع الاعتدال وعدم الإسراف في الطعام في وقت الإفطار. وقد أثبت البحث العلمي أن الفترة المناسبة للصوم يجب أن تكون مابين 12-18 ساعة وبعدها يبدأ مخزون السكر في الجسم وفي تحليل البروتين. وقد سجل الباحث (درينيك Dreanik ) ومساعدوه عام 1964م، عدداً من المضاعفات الخطيرة من جراء الاستمرار في الصيام لأكثر من 31 يوماً متصلة. وتتضح هنا المعجزة النبوية بالنهي عن الوصال في الصوم.
المعجزة الخامسة:
أهمية وجبتي الإفطار والسحور للصائم:
لقد أثبت البحث العلمي أهمية وجبتي الإفطار والسحور في إمداد الجسم بالأحماض الدهنية والأمينية، وبدونهما يتحلل الدهن في جسم الإنسان بكميات كبيرة ما يؤدي إلى تشمع الكبد وإلحاق أضرار خطيرة بجسم الإنسان.
المعجزة السادسة:
الصوم بالإمتناع عن الطعام والشراب والجماع أمان من الأخطار الصحية:
أثبتت الأبحاث الطبية أن الامتناع عن الطعام فقط يعرض الإنسان الى مخاطر عديدة أهمها: اختلال نسبة الأملاح والسوائل في الجسم ما يؤدي إلى الإصابة بأمراض مختلفة وقد تصل هذه الأخطار الى الوفاة، ويؤدي الجماع إلى فقد 76 كيلو سعر حراري قد تلحق الأذى بالإنسان وهو صائم.
المعجزة السابعة:
الرخصة للمريض والمسافر لليسر وعدم المشقة:
بين العالم ألن سوري Alain Saury أن قيمة الصوم في تجديد حيوية الجسم ونشاطه، ولو كان في حالة المرض، وأورد حالات عدد من المسنين، تجاوزت أعمارهم السبعين، استطاعوا بفضل الصوم استرجاع نشاطهم وحيويتهم الجسمانية والنفسانية حتى أن عدداً منهم استطاع العودة إلى مزاولة عملـه الصناعي أو الزراعي كما كان يفعل في السابق نسبياً.
المعجزة الثامنة:
أهمية صيام ستة أيام من شوال وثلاثة أيام من كل شهر:
أثبتت دراسات أن الصيام الحق يمنع تراكم المواد السمّية الضارة كحمض البول والبولة وفوسفات الأمونياك والمنغنيزا في الدم وما تؤهب إليه من تراكمات مؤذية في المفاصل, والكلى ــ الحصى البولية ــ ويقي من داء الملوك ــ النقرس. كما أثبتت الأبحاث الطبية أن الصيام ليوم واحد يطهر الجسم من الفضلات والسموم المتراكمة لعشرة أيام (أي أن الإنسان يحتاج كل سنة لصيام 36 يوماً). ومن هنا نرى الحكمة من أن توجيه النبي (ص) لنا بصيام ستة أيام من شوال حتى تكتمل عملية التنظيف.
المعجزة التاسعة:
لماذا الإفطار على التمر؟:
لقد كان رسول اللـه (ص) يفطر على رطب فإن لم يجد فتمرات فإن لم يجد حسا حسوات من ماء، وهذا الـهدي هو خير هدي لمن صام عن الطعام والشراب ساعات طوال، فالسكر المـوجود في التمر يشعر الإنسان بالشبع لأنه يمتص بسرعة ويصل إلى الدم في دقائق معدودة، ويعطي الجسم الطاقة اللازمة لمزاولة نشاطه المعتاد. أما لو أفطر الإنسان بأكل اللحوم والخضراوات والخبز فإن هذه المواد تأخذ وقتا طويلا كي يتم هضمها وتحويل جزء منها إلى سكر فلا يشعر الإنسان بالشبـع، ويستمر في ملء معدته فوق طاقتها توهما منه أنه مازال جائعا، ويفقد الصيام هنا خاصيته المدهشة في جلب الصحة والعافية والرشاقة.









